عبدالكريم حشيش ... الفيس بوك

زاوية

أخبارك.نت

تضمين الست جهينة

من البى بى سى

الفيس بوك ...




بوابة خبرية احتياطية

بوابة خبرية احتياطية

حشسش

اخبار صدى البلد

الفيس بوك

مؤجل

الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

دعاء بأسماء الله الحسنى



12/24/2012   11:28 AM
دعاء بأسماء الله الحسنى
 
اللهم لك الحمد بجميع محامدك كلها ما علمت منها وما لم اعلم.. على جميع نعمك كلها ما علمت منها وما لم اعلم.. حمدا كثيرا دائما.. مثل ما حمدت به نفسك.. وأضعاف ما تستوجبه من جميع خلقك.. حمدا لا يريد قائله إلا رضاك اللهم لك الحمد والشكر على جميع نعمك كلها.. حمدا وشكرا.. يليقان بجلالك وجمالك وكمالك.. وكبريائك وعزتك وعظمتك وقدرتك وسلطانك حمدا وشكرا.. دائمين بدوامك.. باقين ببقائك
اللهم يا قادر يا عظيم أسألك بنور وجهك العظيم.. أن تصلى وتسلم على مولانا محمد ذي الخلق العظيم .. صلاه بقدر عظمه ذاتك.. دائمة بدوام ذاتك وأسألك مثل ذلك لآله وصحبه أجمعين
 *******
اللهم صل على محمد وآله وسلم 
وخلّقنا بخلق سيدنا محمد .. وأدّبنا بأدب سيدنا محمد .. وأحينا وأمتنا على دين سيدنا محمد .. وابعثنا تحت لواء سيدنا محمد
واسقنا من حوض سيدنا محمد .. وشفع فينا سيدنا محمد
اللهم يا مبدع الورى..هبنا يقيناً.. يقينا الهم والكرب والعنا
اللهم يا قدوس.. قدس من الهوى نفوسنا
اللهم يا غفار.. اغفر ذنوبنا
اللهم يا قهار.. اقهر من ظلمنا اللهم يا جبار.. بدد عدونا
اللهم يا رزاق.. وسع ارزاقنا
اللهم يا مقيت.. هبنا قوت يومنا 
اللهم يا عليم.. بالعلم نوّر قلوبنا
اللهم يا نور.. نوّر ظاهرنا وسرنا
اللهم يا هادى.. قوّم طريقنا
*******
اللهم يا معز.. بالزهد والتقوى أعزنا اللهم يا مذل.. بالصفو ذلل نفوسنا
اللهم يا حليم.. بالحلم خلق نفوسنا
اللهم يا قوى .. قوى عزمنا
اللهم يا رقيب.. اعفو عنا وعافنا
اللهم يا مجيب.. يسر أمورنا
اللهم يا وكيل.. توكلنا عليك فاكفنا اللهم يا صمد.. لا تكلنا لنفسنا
اللهم يا نافع.. انفعنا بأنوار ديننا
اللهم يا قادر.. خلص من الغير سرنا
*******
اللهم يا محيي.. بذكرك أحينا اللهم يا مميت.. على التوحيد والإسلام قدر موتنا
اللهم يا باعث.. ابعثنا على خير حال وارض عنا وراضنا
اللهم يا سميع.. اسمع دعائنا اللهم يا بصير.. بصرنا بعيوبنا
اللهم يا بارئ..  أبرئ من كل نقص نفوسنا
اللهم يا بر.. لا تمنع إحسانا بعصياننا
اللهم يا عفو.. اعفو عنا وعافنا
اللهم يا لطيف.. ألطف بنا و بأحبابنا اللهم يا رؤوف.. ارأف بنا وبإخواننا
اللهم يا تواب.. جد بتوبة تمحو بها عظائم جرمنا
اللهم يا شكور.. بالشكر انعم علينا تفضلا
*******
اللهم يا واحد.. فرج كربنا و غمنا
اللهم يا مانع.. امنع كل كرب يهمنا
اللهم يا مؤمن.. ثبت ايماننا
اللهم يا جليل.. انت ملاذنا
اللهم يا غنى.. عن غيرك اغننا
اللهم يا عزيز.. جد بعز وقونا اللهم يا متكبر.. فيك كبر شؤوننا
اللهم يا واجد.. انت الغنى فاغننا اللهم يا ماجد.. شرف بمجدك قدرنا
اللهم يا رافع.. ارفع لنا ذكرنا اللهم يا خافض.. اخفض لنا القلوب تحببا
اللهم يا جامع.. اجمع عليك قلوبنا اللهم يا واسع.. وسع لنا العلم و العطا
اللهم يا رشيد.. ارشدنا الى طرق الثنا اللهم يا شهيد.. اشهدنا علاك بجمعنا
اللهم يا اول يا آخر.. انت فى الكل حسبنا
اللهم يا ظاهر يا باطن.. بالغيب لا زلت محسنا
اللهم يا ولى يا حميد.. ليس لك الا الثنا
اللهم يا علي يا كبير.. تعاليت عن وصفنا
*******
اللهم باسمائك الحسنى.. دعوناك سيدى.. تقبل دعانا واستجب لنا اللهم يا معين 
بك استعنا.. فأعنّا وبك استغنينا.. فأغننا وعليك توكلنا.. فاكفنا اللهم ياملك  
امرتنا فلم نأتمر.. وزجرتنا فلم نزدجر فهذا مقام العائذ بك اللهم اجعل هوانا فى طاعتك.. وأعنّا على ذكرك وشكرك.. وحسن عبادتك
إرسال تعليق

ذكريات رمضانية

ذكريات رمضانية
محمد حشيش يتسلق فوهة مدفع افطار رمضان فى الدوحة

دفع الشبهات بـ العلم


هل الله لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها؟



قالوا: القرآن ينسب إلى الله أنه لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها، واستدلوا بآيات، منها قوله : ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾ (الأنفال: 66)، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ (البقرة: 143).



والجواب: أن القرآن نسب إلى الله العلم المطلق بكل شيء، فهو الذي يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، والآيات القرآنية في هذا الصدد لا تكاد تحصى لكثرتها، منها قوله: ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 231)، وقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (آل عمران: 119)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ (النساء: 32).



وعلمُ الله أزلي، وقد كتب الله ما سيعمله العباد قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، يقول r : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»([1]) وفي حديث آخر : «وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض»([2]) فهذا النوع الأول من علم الله، وثبوته كاف في دفع الشبهة.



والنوع الثاني من العلم الإلهي هو علمه بوجود ما علمه أزلاً، أي عِلمه بحدوث أفعالنا التي كان يعلم أنها ستكون، فالله يعلم ذنب المذنب وطاعة المطيع قبل أن يخلق الخلق، ثم إذا أذنب العبد أو أطاع؛ علم الله تحقق الفعل ووجوده، فأثابه عليه بموجب فعله، فهذا نوع آخر من العلم ، يتصف به الله العليم الذي كان وما يزال عليماً.



وهو ما يفهمه المتأمل في آيات القرآن الكريم، ففي آيات سورة المائدة يخبر الله أنه يبتلي عباده بما حرم عليهم من الصيد ليعلم من يخافه بالغيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ (المائدة: 94)، فهذا علم الوجود للفعل وتحققه، وهو العلم الذي يحاسب الله الخلائق به، ولا يمنع هذا ولا يتعارض مع علم الله المطلق الذي أثبته السياق نفسه: ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (المائدة: 97).



ومثله في حديث الله عن المنافقين، فقد أخبر الله أنه يعلم ما في صدورهم، وأنه سيعلم أفعالهم التي تخبر بما في قلوبهم حين يفعلونها ﴿ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ` وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: 10-11).



ومثله قول الله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (آل عمران: 154)، فهو عليم بضمائرهم، واختباره لهم ليس لزيادة علمه تبارك وتعالى، بل ليتحقق ما علمه بفعل العباد، فيجازيهم بموجب هذا العلم ، أي بموجب علمِه بما عملوا.



وقد سمى العلماء هذا العلم "علم المشاهدة"، أي مشاهدة أو رؤية ما علمه الله أزلاً، ثم تحقق فرآه ، ومن المعلوم أن الرؤية والعلم يترادفان في بعض الإطلاقات، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (المجادلة: 7)، ومعناه: ألم تعلم، لذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (الجن: 28): "المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيباً"([3]).



وفي شرح قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ ﴾ (محمد: 31) يقول ابن الجوزي: "العلم الذي هو علم وجود ، وبه يقع الجزاء"([4])



وقال ابن تيمية: "عِلم الرب تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون مستفاداً من شيء من الموجودات، فإن علمه من لوازم ذاته؛ فعلمُ العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو الرب تعالى أو بعض مخلوقاته، وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم والمعلوم: إما نفسه المقدسة وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها ...".



ثم ذكر بعضاً من الآيات من جنس ما أورده الطاعنون في القرآن اليوم، وعقب بالقول: "هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون ، وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر"([5]).

وهكذا تبين فساد هذا القول وبطلانه بالدليل والبرهان.



لكن العجب في هذه الأبطولة صدورها ممن في كتبه مثل هذه المعاني من غير أن يستنكرها، فقد جاء في سفر التكوين أن الله قال لإبراهيم: " لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني" (التكوين 22/12)، ومثله في سفر التثنية "وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر؛ لكي يُذلَّك ويجربك، ليعرف ما في قلبك؛ أتحفظ وصاياه أم لا؟" (التثنية 8/2)، أفما كان أولى بهم أن يحملوا نصوص القرآن على المعاني التي يحملون عليها ما جاء في كتبهم؟ لكنهم قوم مبطلون.

الشيخ منقذ السقار

للرجوع الى قسم د منقذ السقار للرد علي الشبهات تنزيه القرآن الكريم عن دعـاوى المبطلين
الهوامش
----------------
([1]) أخرجه مسلم ح (2653).

([2])أخرجه البخاري ح (3192).

([3]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (19/31).

([4]) زاد المسير، ابن الجوزي (7/411).

([5]) درء تعارض العقل مع النقل، ابن تيمية (5/179).

الموقع الاصلي للرد هو

http://www.burhanukum.com/article1104.html

علاقة الحروف بتصرفات البشر

اسرار الحروف 1/9/2011, 17:00

- يمثل كل انسان عالمأمستقلأ بذاته.. له مجموعته الكوكبية الخاصة به والتى تمثل حررف اسمه .. فكل حرف يمثله كوكب يظهر فى سماء مجموعته الكوكبية.. وتتلا قى وتتوافق هده المجموعة الكوكبية أوتصطد م وتتنافر مع غيرها من مجموعات
ا لكوا كب. . لنتكلم لغلة أبسط.. - بمعنى أننى كى أعرف أخلاق شخص ما..
يتعين على أن أعرف طبائع حروف اسمه، لأتمكن من
معرفة أخلأقه وتصرفاته، فلكل طبيعة بشرية أخلاق
معينة خاصة بها.. نعرفها من خصائص طبائع .. حروف الاسم. وللحروف طبائع أر بع، هى: النار والتراب والهواء والماء. وتتوزع هذه الطبائع الأربع على الحروف الأبجدية بأبعاد متساوية. ولما كان مجموع حروف الهجاء- فى العربية- هو ثمانية وعشرون حرفا، فإن ذلك يعنى أن كل سبعة حروف أبجدية تختص بطبيعة واحدة.
هذه النسبة البعدية ثابتة لاتتغير بين كل طبيعة وأخرى، وهى بالترتيب: النار فالتراب فالهواء فالماء. وقد وضع علماء الزايرجا لذلك جدولآ استخدموه كقاعدة عامة
وأساسية فى دراستهم لطبائع البشر من خلأل حروف أسمائهم.. وهى كالتالى:
. نار أ ـ ه - ط - م - ف - ش - ذ. تراب ب- و - ى - ن - ص - ت - ض .هواء ج - ز - ك - س - ق - ث - ظ
ماء د - ح - ل - ع - ر - خ - غ
طبائع الحروف
. طبيعة وصفات حر وف
العناصرالأربعة؟
- الحروف النارية من طبيعتها الاستبداد بالرأى والنشاط الدائم، السيطرة
والغلبة السريعة والصلأبة،
الحروف الترأبية من شيمتها الصبر، الانتباه فى اخر لحظة لتدارك الخطر أو بعد فوات الأوان السوداوية والعظمة المقرونة بتواضع، وهبوط وارتفاع الحركة إلمالية، وقوة المنطق والحجة وفصاحة البيان.. فضلأعن الجاذبية الملفتة وكتمان الأسرار.
الحروف الهوائية من طبعها الاندفاع- المخاطرة- النزق- الطيش- خفة الحركة مع ثقل وعدم ثبات،عصبية زائدة غالبأ ماتصل لحد المرض.. ومنها أيضأ حيلى للابتكار والابداع.
أما الحروف المائية فتمتاز بأخذ الأمور بالهوادة واللين وحسن السياسة، والرزإنة والاستهانة بالمصاعب والتضحية بالنفس فى سبيل الغير.. كذلك التقلب والتغير.
كيف يمكن قراءة الأخرين من خلال طبائع الحروف؟
- حتى نستطيع أن نحكم على أخلاق صديق أو رفيق ينبغى أن ننظر في الطبيعة الغالبة على حروف إسمه، فإن كان أكثر حروف اسمه. من الحروف النارية، يكون
هذا الشخص نارى الطب، تحكمه صفات وطبائع
الحروف النارية.. وهكذا.
- اسم سالم مثلأ.. مركب من طبائع ثلاث. "كيف؟
- عند تفكيك الاسم الى حروفه المكونة له يكون كالتالى (س ل م)، وبمضاهاتها بجدول طبائع الحروف نجد أن حروف أ م لها طبيعة نارية،
وحرف س له طبيعة هوائية، وحرف ل له طبيعة مائية.. وبما أن أحرف الطبيعة النارية تمثل اكثرية أ م فيكون "سالم " هذا شخص نارى الطبع بصفة عامة، وإن كان للطبيعتين الهوائية والمائية تأثير ملطف على طبيعته النارية بمقدار ماتمثله كل طبيعة من نسبة فى اسمه، وهى فى حالة سالم تساوى
الربع للهواء والربع للماء. وهكذا يمكننا قياس أخلاق
وطبائع من نود أن نعرفهم، بشرط أن نضع فى اعتبارنا توافق وتنافر طبائع الحروف.
تصاد ق.. وتعادى!
وكيف تتوافق أو تتنافر طبائع الحروفب التأكيد هناك توافق وتنافر بين طبائع الحروف،
فالحروف النارية والهوائية متوافقة ومؤتلفة.. أى أصدقاء، وكذلك الحروف الترإبية والمائية.. بعكس
حروف النار والترإب والهؤإء والماء والهوائية والترابية، فهى حروف متنافرة تكن العداء لبعضها البعض. وتفسير ذلك بسيط، فالتراب يطفىء الناركما يطفىء النار الماء.. والهواء والتراب يثيران الزوابع.. والهوأء والماء يثيران الأعاصير والنوات. وهكذا بعكس التوافق بين النار والهواء، فالهواء يشعل النار ويزيد من تأججها، والتراب والماء يمثلان عجينة ممتزجة منها كل شىء حى، فلا عجب أن تقوم بينهما صداقة وائتلأف.
" كيف نطبق ذلك على الأسماء الانسانية؟
- لنأخذ مثلأ اسمأ مركبا من حروف صديقة متوافقة كالحروف النارية والهرائية، وليكن اسم " قاسم "..
هذا الاسم يدل على التوافق والاتزان، فالقاف والسين (ق، س) من الأحرف الهوائية، والألف والميم (ا، م) من الحروف النارية، وعلى ذلك تساوى الطبيعتان عند هذا الشخص فى الوزن والقوة، وبذا تعززإن بعضها البعض، وتتكون من مجموعهما صفات ممتازة لمن يحمل هذا الاسم.عكس ذلك يحدث لو كانت طبيعة الحروف متنافرة، كالنار والتراب أو الماء والنار.. مثال ذلك
اسم "إبراهيم " فهو يتكون من حروف نارية (1، هـ، م) وحروف ترابية (ب، ى) وحرف مائة (ر) وهذه الطبائع الثلاثة تتنافر إذا اجتمعت معا..
ولكن يشفع لصاحب هذا الاسم وجود حرف مائى مع حرفين ترابيين، وإن كان الغالب على الاسم هو الطبع النارى الذى يمثل ثلاثة حروف.
صاحب الطباع الأربعة!
. لاحظت- من خلال الأمثله السابقة- اجتماع طبيعتين أو ثلاث فى الاسم الواحد.. هل يمكن للطبائع الأربعة أن تجتمع في اسم واحد.. وكيف
تكون صفات شخص يحمل اسمأ تجتمع به هذه الطبائع؟
- اجتماع الطبائع الأربعة فى اسم شخص وإحد أمر وارد وإن كان بدرجة أقل من اجتماع طبيعتين أو ثلاث.. واجتماع الطبائع الأربعة يعنى أن الشخص متمتع بتناسب رائع فى تركيبه النفسى ذلك أن اجتماع هذه العناصر يترتب عليه اعتدال فى السلوك وتوازن فى التصرفات.وانعدام التناسب والتوافق فى حروف الاسم
يساوى انعدام التناسب فى الصورة الشكلية، وعلى
عكس ذلك فإن تمام الطبائع فى حروف الاسم تعنى
حسن الطبع فى الشخص.
ومن أمثلة تمام طبائع حروف الاسم الوإحد واجتماع العناصر الأربعة فيه اسم "شكرى) فحروف هذا الاسم مؤلفة تأليف صداقة فالنار
والهواء في حرفى (ش، ك) والماء والتراب فى حرفى (ر،ى) كلها حروف صداقة ومودة. وهذا التناسب يعنى أن صاحب هذا الاسم انسان
معتدل الطبع غير متنافر الأخلأق، وخاصة أن
حروف اسمه اجتمعت فيها الطبائع الأربعة بهذا
الترتيب: (نار وهراء) مع ماء وتراب. ولو حدث واختلف هذا الترتيب لأتى بنتائج عكسية رغم اجتماع العناصر الأربعة في حروف الاسم.. ومن أمثلة ذلك اسم شريك مثلأ، حيث تجتمع
النار والماء في حرفى (ش، ر) مع التراب والهواء فى
حرفى (ى، ك) وبذلك تصبح التركيبة متنافرة تعطى
صفات العداوة والبغضاء وسوء الطبع. مذكر . و مؤنث
" أسرار الحروف . هل تبوح بمكنوناتها بدرجة متساوية بين الرجال والنساء؟ أم يوجد
خلاف فى التطبيق اذا ماتعلق الأمر بالمرأة - بالتأكيد لايوجد خلأف فى التطيق بين الرجل وا لمرأة.. ولكن يوجد ماهو أهم وأجدر أن يذكر، فهناك حروف مذكرة وحروف مؤنثة، واستخدأم كل حرف فى موقعه من التأنيث أو التذكير يقويه، ولو استخدم
فى غير موضعه يضعف.
فمثلأ إستخدام الحروف المؤنثة عند الرجال يدل
على الضعف والتساهل والهوإدة والشفقة والخوف
وسهولة الانقياد. وكثير، ماتتسبب الحروف المؤنثة فى أسماء بعض الرجال فى حذرهم من الزواج أو امتناعهم عنه تمامأ!
او تعاستهم في الزواج وضعفهـم أمام زوجاتهم،
خاصة لو كانت الزوجة ذإت اسم تغلب عليه الحروف
ا لمذكرة!
كذلك فإن استخدام الحروف المذكرة فى أسماء النساء يدل على النشاط الزائد والسيطرة والعظمة، والإعجاب بالنفس والطيش، والاجتهاد فى التخلص من القيود.. والثورة على مطالب الزواج!
وتناسب حروف الجنسين عند شخص ما، يولد حالة وسطأ كما فى اسم "إنصاف " مثلأ، حيث يتركب من أحرف مذكرة نارية (1، ف) وأخرى مؤنثة ترابية (ن، ف)، وبذلك يعنى صفات هذا الاسم أن صاحبته ذات نشاط وحسن تدبير وسيطرة.. كما تتمتع برقة الأنثى وتأثيرها على الرجال..وسيطرتها الخاصة على مايحيط بها من نساء!
خواص العدد. سألت "حسين أبو زيد" عن ارتباط الحروف
بالأرقام.. هل له دلالات خاصة فقال:
- القيمة العددية للاسم هى ناتج جمع القيمة العددية للحروف المكونة لهذا الاسم بعد قسمتها علىرقم 9، وما يتبقى من القسمة يكون هو الرقم الحامل لخواص العدد.
" لم أفهم.. أعطني مثالأ.
- مثلأ: اسم مصطفى، عندما نفك حروفه ونحولها لأرقام تبعأ للجدول الأحادى الخاص
بالمشتغلين بعلم "الزايرجا" يكون كالتالى:
1 2 3 4 5 6 7 8 9
أ ب ج د هـ و ز ح ط
ى ك ل م ن س ع ف ص
ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ
وهكذا يكون اسم "مصطفى":
م ص ط ف ى
4 9 9 8 1
اذن مجموع عدد الحروف= 31 / 9= 3 والباقى
4، اذن رقم (4) هذا هو العدد المعنوى لاسم
مصطفى،، وخواص هذا العدد هى: الصلابة والقوة
والشهرة والنظام والذكاء وقوة الايمان، وصدق الفراسة وسعة الإطلأع.
. وهل لكل رقم من ا الى 9 خواص خاصة به.. وماهى
- نعم.. وقد تم تقنين خواص كل عدد كالتالى:
1- يعنى: ا لزعا مة- الريا سة- ا لعظمة- ا لقوة-
الشخصية الإيجابية- الحكمة- المحبة- حكم النفس - النشاط
2- هو الوسيط بين السلب والايجاب.. أو المعلوم.
والمجهول.. أو المذكر والمؤنث.. من صفات: الطمع
والمنازعة- العداء والمشاكل التى لاحلول لها- المشاركة المتنازعة- ا لثورة- الشك- الكراهية- ا لبغض- ا لتردد.
3- الانشاء- الاحتفاظ بالماضى- النظام العائلى-
التحمل- السعا دة- التوفيق- النجاح.
4- الصلابة- حب الظهور- الشهرة- صدق الفراسة والمشا هدة- العلم- الاطلاع- النظام- الذكاء - الثبات والاستقرار- الإصرار- الأمل والحذر.
5- الجاذبية- قوة المنطق- الاستفادة من الظروف
- سرعة الخاطر- بعض الأنانية والسعى وراء
الماديات- المساواة- الميل لعمل الخير- حب الإنسانية
- العدالة- اللهو- التجارة- التفكير فى تسلية النفس
بالملاهى والمأكل.
6- التعا ون- المحبة- الارتباط- ا لشعور- ا لكفا ية
- المسالمة- السعادة- التوفيق- الجمال- المعرفة- الاختراع رالابتكار- الفنون الجميلة- اللهو والزينة.. وبعض المشا كل.
7- البداية- التطور- الحكمة- الاعتدال- النصر والفوز بعد التعب- الشهرة- النجاح- الموافقة.
8- ا لتحرر- ا لهدم- الخصومة- ا لفرقة- الاصرار
- الغربة- الاقد ام- المعرفة- الذكاء.
9- القوة الروحية- التجدد- اليقظه- حدة الشعور- التنقل- الحالة التصورية- صدق الفراسة - بعد النظر-الاعتدال- الغموض- الغيظ- الشقاق- الفطنة- الكفا ية

http://alhssan-com.own0.com/t503-topic

كان زمان

كان زمان
رباب عبدالكريم فى اول وآخر انتخابات للجالية المصرية فى الدوحة

سيكولوجية السعادة


تأليف : مايكل أرجا يل

ترجمة : فيصل عبد القادر

مراجعة : شوقي جلال

الفصل الأول

ما هي السعادة ؟

0 من الناحية الانفعالية .. السعادة هي الشعور باعتدال المزاج .. ومن الناحية المعرفية التأملية .. السعادة هي الشعور بالرضا والإشباع .. وطمأنينة النفس .. وتحقيق الذات .. والشعور بالبهجة واللذة والاستمتاع ..إذا فهناك عامل مشترك بين الناحيتين .. وهو : الشعور بالرضا الشامل .. والذي من الممكن تقسيمه إلى الرضا عن جوانب معينة ..مثل : العمل..الزواج.. الصحة ..القدرات الذاتية ..وتحقيق الذات .. والملاحظة المهمة هنا هي أن السعادة ليست نقيضة للتعاسة ..بل هما بعدين مستقلين عن بعضهما استقلالا تاما .. وان كان المرء لا يمكن أن يشعر بالسعادة و التعاسة في آن واحد .. وتأكد أيضا أن الأفراد الذين يشعرون بشدة السعادة .. هم أنفسهم الذين يعيشون التعاسة بشدة أيضا

* مصادر المشاعر الايجابية والسلبية :

الايجابية

السلبية

0 الانبساط

0 العصبية

0 التعليم

0 المكانة الاجتماعية المنخفضة

0 التوظف

0 النساء

0 المشاركة الاجتماعية

0 الصحة المعتلة

0 أحداث الحياة الايجابية

0 انخفاض تقدير الذات

0 الأنشطة الترفيهية المشبعة

0 أحداث الحياة الشاقة

ومن المشاكل المعروفة .. أن الشعور بالرضي نسبى .. بمعنى أن الناس عندما يقيمون شعورهم بالرضي .. فإنهم يقارنون حياتهم في الوقت الحالي ..بمراحل أخرى مختلفة من حياتهم الماضية .. أو بما يعرفونه أو يتخيلونه عن حياة الآخرين

* مصادر الشعور بالرضا في الحياة اليومية

المجال

الأهمية

0 الحالة الاقتصادية

2.94

0 النشاطات الترويحية

2.79

0 الوظيفة

2.19

0 السكن

2.10

0 الصداقة

2.08

0 الحياة الأسرية

1.46

0 الزواج

1.44

0 الصحة

1.37

0 الشخصية

1- تقدير الذاتي

2- التحكم الداخلي

0.72

0.72

0 خلاصة :

0 يمكن فهم السعادة بوصفها انعكاسا لدرجة الرضا عن الحياة .. أو بوصفه انعكاسا لمعدلات تكرار حدوث الانفعالات السارة .. وشدة هذه الانفعالات ..

0 ليست السعادة عكس التعاسة تماما

0 ينبغي أن نأخذ ثلاث عناصر للسعادة في الاعتبار :

1- الرضا عن الحياة .. ومجالاته المختلفة

2- الشعور بالبهجة .. والاستمتاع

3- العناء .. بما يتضمنه من قلق واكتئاب

0أما الصحة ..فسنتناولها كعامل رابع ..في الفصل العاشر .. إذ أنها ترتبط بكل من العوامل الثلاثة السابقة

الفصل الثاني

العلاقات الاجتماعية

0 تكشف لنا الكثير من الدراسات الميدانية .. عن أثر التفاعل الاجتماعي .. وشبكة العلاقات الاجتماعية التي نعيش فى ظلها ..على مدى شعورنا بالسعادة .. وذلك لتوافر عنصرين مهمين :

1- الدعم الانفعالي ( الثقة ) 2- الاهتمامات المشتركة

* ومن أهم مصادر الشعور بالرضا في العلاقات الاجتماعية المختلفة :

1- الزوج أو الزوجة 2 - أحد الوالدين

3- صديق من نفس الجنس 4- أخ أو أخت

5- صديق من الجنس الآخر 6- رئيس في العمل

7- زميل عمل 8- جار

1- الحب والزواج :

- الوقوع في الحب .. هو أوضح الأمثلة على علاقة سعيدة .. إذ أن الحب هو أشد العلاقات.. وأكثرها عمقا .. وهو الذي يستثير أشد المشاعر الايجابية.. وعلى وجه العموم.. فالمتزوجون أكثر سعادة من العزاب .. والأرامل ... والمطلقين

- والرجال غير المتزوجين .. أقل سعادة من النساء غير المتزوجات .. مما يوحى بأن فائدة الزواج بالنسبة للرجال .. أكثر منه بالنسبة للنساء .. حيث أن الرجال يحصلون على دعم أكثر من الزواج.. إذا ما قورنوا بالنساء

- الرضا عن الزواج.. يرتبط ارتباطا قويا بالشعور بالرضا العام .. أو بالسعادة .. والسؤال الآن هو :

0 لماذا يوفر لنا الزواج كل هذا الشعور بالرضا ؟

0 تشير نتائج الدراسات .. إلى كثرة ظهور الاستجابات اللفظية الايجابية .. وقلة الاستجابات السلبية .. وخصوصا النقد..في الزيجات السعيدة .. ويلاحظ أيضا ..كثرة السلوك الأكثر استثارة للسعادة .. كتبادل القبل .. والهدايا .. والاستعداد للمساعدة العملية ..واستمتاع أكثر بالحياة الجنسية .. وكثرة الوقت الذي يقضيه الزوجين معا .. والاتفاق على المسائل المادية .. وتبنى اتجاه ايجابي يقوم على البحث عن حلول للمشكلات التي تحدث .. وبالطبع فان كل شريك يوفر الدعم للآخر .. هذا مع الوضع في الاعتبار قلة السلوك السلبي .. ( مدى السعادة الزوجية = عدد مرات المعاشرة الجنسية - عدد مرات المشاجرة )

2- الأصدقاء :

0 – تشير نتائج الكثير من الدراسات .. إلى أن من لهم عدد اكبر من الأصدقاء .. أو من يقضون وقتا أطول بين أصدقائهم .. يميلون إلى أن يكونوا أكثر سعادة.. والصداقة كمصدر للسعادة .. تأتى في الأهمية بعد الزواج والحياة الأسرية .. لكنها تسبق العمل .. والاستمتاع بأوقات الفراغ .. وأول ما يوفره الأصدقاء لبعضهم البعض .. هو التحسن الفوري للحالة المعنوية

0 لماذا يحتاج الناس إلى أصدقاء ؟

1- المساعدة العملية والمعلومات ..رغم أنها اقل مما توفره الأسرة .. وزملاء العمل

2- الدعم الاجتماعي ..في صورة نصائح .. أو تعاطف ..أو فقط كونهم محلا للثقة .. أو لمجرد اشتراكهم في نفس النظرة إلى العالم .. وفى كل هذا قد يكون الأصدقاء أهم بالنسبة لبعض النساء مثلا .. من أزواجهن

3- تماثل الاهتمامات .. والمشاركة في الأنشطة .. وممارسة الألعاب معا

0 المهارات الاجتماعية اللازمة لاكتساب الأصدقاء والحفاظ عليهم :

0 القدرة على الدعم المعنوي

0 المجاملة .. والتعبير عن المحبة

0 أداء الالتزامات

0 وقد تنتهي بض الصداقات لأسباب عديدة منها

. عندما يبدى الأشخاص غيرة من علاقات أخرى

. أو إذا لم يحتفظوا بالأسرار

.أو لم يحفظوا غيبة بعضهم البعض

3- الأبناء :

0 الأزواج الذين لديهم أبناء .. أكثر قلقا .. ويعانون من مشاكل زوجية أكثر ..وعموما.. فان السعادة الزوجية تقل في المنزل ..في وجود الأطفال ..خاصة إذا كانوا مراهقين .. ويقلل وجود الأطفال الصغار من الشعور بالسعادة .. خاصة الأطفال الرضع .. وأطفال ما قبل المدرسة .. وخاصة إذا ما كانوا ذكورا .. وبالرغم من ذلك .. هناك جوانب ايجابية لوجود الأطفال بالمنزل ..مثل توفير الحب والصحبة .. إشاعة الحيوية والمرح .. الاستمتاع برؤيتهم يكبرون .. تحقيق الذات ..إشعارنا بالرشد والنضج .. بيد أن هناك ثمنا غاليا لوجودهم .. إنهم يرهقوننا وهم صغار .. ويسببون عنتا انفعاليا عندما يبلغون المراهقة

4- الأقارب :

0 علاقات القرابة ..هي أهم العلاقات وأقواها خارج المنزل .. خصوصا العلاقة بالإخوة .. والأبناء الراشدين .. والآباء

0 من أكثر الأمور فائدة في علاقة القرابة .. أنهم مستعدون لتقديم أكبر العون عند الحاجة ..وعادة ما تكون علاقات القرابة دائمة

0 النساء أكثر ارتباطا من الرجال بأقاربهن .. خصوصا مع الأقارب من نفس الجنس .. كالأم وابنتها .. أو الأخوات وبعضهن البعض

5- علاقات العمل :

0 يعتبر الرضا عن العمل .. من أهم جوانب الشعور العام بالرضا

1 - زملاء العمل : يزيد الرضا عن العمل .. عند من يتمتعون بشعبية في بيئة العمل .. والذين ينتمون إلى مجموعة عمل صغيرة ومتجانسة .. ومن تتاح لهم فرصة أكبر للتفاعل الاجتماعي أثناء العمل

2- العلاقة مع الرؤساء والمرؤوسين :

0 التقدير من جانب المشرفين والتشجيع على المشاركة في اتخاذ القرارات .. يجعل المرؤوسين أكثر سعادة

0 يميل الرجال إلى نظام متدرج للأدوار .. بينما تميل النساء إلى المساواة.. في داخل الجماعة الواحدة

6- الجيران :

0 يمثل الجيران أهمية قليلة في التأثير على الشعور بالسعادة

0 والجيران أكثر أهمية عند الأسر التي تقضى معظم وقتها بالمنزل.. وأيضا أكثر أهمية بالنسبة لكبار السن

0خلاصة :

- الزواج من أهم مصادر الدعم الاجتماعي .. والحماية من تأثير المشقة Stress

- النساء اللائي عانين من أحداث الحياة الشاقة .. يكن أقل احتمالا لأن يقعن فريسة للاكتئاب .. إذا كان الزوج محلا للثقة

- الأشخاص الوحيدون ( يعيشون في وحدة ) .. يعانون من القلق والملل .. وانخفاض تقدير الذات .. وهم أقل انبساطا وأكثر عصبية

- الدعم الاجتماعي يخفف من العناء .. ويزيد من الشعور بالسعادة

1- يزيد من تقدير الذات .. والثقة بها

2- يولد درجة من المشاعر الايجابية

3- يقلل من التأثير السلبي للأحداث الخارجية ( توافر الدعم والمساعدة )

0 العلاقات الاجتماعية عموما.. من أهم مصادر السعادة .. والتخفف من العناء .. والشعور بالبهجة .. وتوفير المساعدة .. وهى تحمى من تأثير المشقة .. بزيادة تقدير الذات ..وكف الانفعالات السلبية .. وتوفير المساعدة على حل المشكلات

الفصل الثالث

العمل والبطالة

0 هل يشعر الناس بالرضا عن عملهم ؟

0 نسبة محدودة فقط من الناس ..هم من يستمتعون حقا بعملهم .. بينما كانت السعادة الزوجية ..أهم مصدر للسعادة ..كان عدم الرضا عن العمل ..أهم مصدر للتعاسة

0 ما هو الرضا عن العمل ؟

0 هو مجال من المجالات المختلفة للشعور بالرضا .. وينقسم إلى عدة مجالات فرعية مثل :

(1)- الرضا الداخلي عن العمل :

0 العاملون يكونون أكثر سعادة.. في الأعمال الأكثر تنوعا ..واستقلالية

0 والنجاح يولد متعة اكبر في أداء العمل ..ودافعا للمضي فيه .. مما يؤدى إلى مزيد من الاستمتاع .. ومزيد من الاندماج في العمل

(2) – الأجر :

0 الأجر من أهم مصادر الشعور بالرضا عن العمل .. ويشكل الأجر أهمية كبرى ..عند بعض الناس عنه عند البعض الآخر .. وأكثر الناس اهتماما بالأجر .. الرجال .. والشبان .. وأيضا من يتقاضون أجورا أقل

(3) – زملاء العمل :

0 يرتبط الرضا عن العمل ارتباطا قويا .. مع شعبية الفرد .. ومدى تقبل أعضاء الجماعة له

0 ويمثل الدعم الاجتاعى الذي توفره جماعة العمل ..مصدرا أساسيا ضد أخطار خارجية .. من المشرف .. أو من أى جهة أخرى ..ويقلل من تأثير المشقة أيضا stress

(4)- الإشراف :

0 يأتي الرضا عن الرؤساء في العمل .. في المرتبة الثانية بعد زملاء العمل .. والرؤساء اقدر من زملاء العمل على المساعدة المادية .. وعلى حل المشكلات أيضا .. والمشرفون الذين يحظون بقدر اكبر من الاحترام .. يكون مرؤوسيهم أكثر شعورا بالرضا عن العمل .. كما تقل بينهم معدلات التغيب عن العمل .. أو تبديل العاملين بغيرهم .. ولكن غالبا ما يفتقد المشرفين.. للمهارات الاجتماعية اللازمة لتحقيق ذلك

(5 ) فرص الترقي :

0 يحتاج الناس لأن يشعروا بأنهم يقومون بالعمل على وجه حسن .. ويطلبون اعترافا خارجيا بذلك .. والترقي أهم أنواع الاعتراف .. 0 ويحمل الترقي معه فائدتين هما .. زيادة الأجر .. وتحسن المكانة الاجتماعية

0 والترقي مصدر محتمل لعدم الرضا أيضا .. فهو يتضمن الانفصال عن الزملاء .. ومزيد من المسئولية .. وأداء عمل آخر.. قد يكون أقل إثارة للاهتمام

0 يرغب بعض الأفراد في الترقي أكثر من غيرهم .. مثل الموظفين الإداريين .. والمديرين الحاليين

(6) – عوامل أخرى :

0 هناك عدة عوامل أخرى مؤثرة في الشعور بالرضا عن العمل .. ولكنها أقل في أهميتها مما سبق .. مثل :

1- الرضا عن ظروف العمل

2- الرضا عن الشركة

0 التأثيرات المختلفة للرضا عن العمل :

1- الشعور بالرضا عن الحياة :

0 هناك ارتباط وثيق بين الرضا عن العمل .. والرضا العام عن الحياة .. وذلك لأن العمل.. من أهم جوانب الحياة

2- الصحة والصحة النفسية :

0 كلما انخفض معدل الرضا عن العمل .. كلما زادت معدلات القلق ..والاكتئاب ..والأعراض النفسية الجسمية المختلفة.. كالقولون العصبي مثلا ..وأيضا أمراض القلب .. واعتلال الصحة النفسية

3- ترك العمل :

0 من أهم أسباب تغيير العمل .. الأجر المنخفض .. والإشراف السىء ..والعمل الممل .. وافتقاد الدعم من زملاء العمل

0 والرضا عن العمل .. ليس هو العامل الوحيد في ترك العمل ..لكن هناك أيضا عوامل أخرى مثل ..زيادة التكلفة .. وقلة المكافئات ..ووجود بدائل أفضل

4- الغياب :

0 ترك العمل .. والغياب .. والتأخير .. والاعتراض أو كتابة الشكوى .. هي علامات لعدم الرضا عن العمل

5- الأداء في العمل :

0 زيادة الإنتاج تؤدى إلى مزيد من الرضا عن العمل .. وأيضا الرضا عن اعمل .. يؤدى إلى تقليل السلوك المعوق للإنتاج

6- الفروق بين المهن :

0 الرضا عن العمل يزيد لدى شاغلي المهن الأكثر مهارة .. والتي توفر مكانة اجتماعية أعلى .. مثل أساتذة الجامعات .. والعلماء .. ورجال الدين .. والمهنيين مثل الأطباء وغيرهم

7- الفروق الفردية :

0 لكل فرد مطالبه المختلفة عن الآخر .. فأفراد الطبقة العاملة .. أكثر اهتماما بالأجر عن الرضا الذاتي .. والنساء عادة ما يكون اهتمامهن الأساسي.. هو الجوانب الاجتماعية للعمل .. وظروف العمل نفسها

0 زيادة الرضا عن العمل :

1- إعادة تصميم الوظائف المختلفة

2- تحسين العلاقات الاجتماعية في مجال العمل

3- تدريب العاملين واختيارهم

0 آثار البطالة :

0 دراسة فقدان العمل.. مكنتنا من فهم أفضل.. لمشاعر الرضا التي نجنيها من العمل

(1)- السعادة والرضا

0 المتعطلون عن العمل أقل سعادة.. وأكثر شعورا بالملل.. والوحدة .. وقلة الحيلة

(2)- تقدير الذات

0 العاطلون عن العمل .. يفتقدون إلى تقدير الذات .. ويشعرون بالفشل .. وأنهم اقل من غيرهم

(3) – التبلد :

0 غالبا ما يصبح المتعطلون عن العمل .. أكثر إحساسا بالملل.. واللامبالاة .. وتنخفض يقظتهم الجسمية .. والعقلية .. ويزدادون تدهورا

(4) – العجز عن النضج :

0 يظل الخريجون الذين يفشلون في الحصول على عمل .. على نفس المستوى من النضج النفسي.. الذي يماثل الذين ما يزالون في الدراسة

(5) – الصحة العقلية :

0 المتعطلون عن العمل .. أكثر اكتئابا .. وكثر قلقا

(6)- الفروق الفردية :

0 لا تؤثر البطالة على كل فرد بنفس الدرجة .. فبعض الناس يكون سعيدا مع البطالة

(7) – طول فترة البطالة :

0 تزيد المعاناة في الشهور الأولى من البطالة .. ثم تثبت

0 يكون تأثير طول فترة البطالة.. في أسوا صورة ..لدى من هم في الأربعينيات من العمر

( 8) – العمر والجنس :

0 يتأثر الرجال متوسطي السن ..أكثر من الشبان.. أو الرجال الأكبر سنا

0 ويتأثر الرجال بدرجة تفوق النساء المتزوجات .. ولكنها تقارب غير المتزوجات

( 9) – الطبقة الاجتماعية :

0 أبناء الدرجة الاجتماعية الدنيا.. يتأثرون بدرجة اكبر .. وذلك لأن أبناء الطبقة المتوسطة ..أكفأ في استخدام الوقت .. ومشكلاتهم المادية أقل حدة

(10) – الدعم الاجتماعي :

0 تنخفض التأثيرات السلبية للبطالة بشدة.. لدى من يتمتعون بدعم اجتماعي قوى .. من الزوج .. أو الأسرة .. أو الأصدقاء

0 لماذا تجعل البطالة الناس تعساء ؟

1- المعتقدات المتعلقة بالعمل :

0 في نظر المجتمع ..العاطلون عن العمل ..كسالى .. أو تنقصهم الكفاءة

2- مليء الوقت وتنظيمه

3- فقدان العلاقات الاجتماعية المتصلة بالعمل

4 – المزايا الخفية للعمل

0 خلاصة :

0 تسبب البطالة تعاسة لمعظم الناس ..وتؤثر تأثيرا خطيرا على الصحة النفسية والجسمية للفرد ..وتزيد هذه التأثيرات لدى متوسطي العمر وأبناء الطبقة العاملة .. ولدى الملتزمين بأخلاقيات العمل

0 ويعود تفسير ذلك إلى النظرة السائدة من أن البطالة علامة على الفشل والكسل .. وأيضا إلى خسارة الفوائد غير الظاهرة للعمل .. مثل تنظيم الوقت ..والإحساس بالمكانة والهوية .والعلاقات الاجتماعية المختلفة في العمل

الفصل الرابع

وقت الفراغ

0 يمثل النشاط الذي نقوم به في وقت الفراغ .. واحدا من العناصر الهامة للشعور بالرضا العام عن الحياة

0 الاستمتاع بوقت الفراغ.. يأتي في الأهمية بالنسبة لمعظم الناس.. بعد العمل .. والزواج .. والأسرة .. لكنه أكثر أهمية من العمل بالنسبة للرجال الغير متزوجين ( العزاب )

0 وقد يكون نشاط وقت الفراغ .. أكثر أهمية من العمل ..بالنسبة لبعض الناس .. حتى المتزوجين منهم

0 من أهم مصادر الشعور بالرضا .. الناجم عن أنشطة وقت الفراغ المختلفة :

- قضاء الوقت مع الأطفال - قضاء الوقت مع الزوج ..أو الزوجة

- قضاء الوقت بالمنزل - ممارسة الشعائر الدينية

- التواجد مع الأصدقاء - القراءة

- التواجد مع الأقارب - إصلاح و تركيب الأشياء

- اللعب - الاسترخاء.. والجلوس دون عمل

- السيارة - التسوق

مشاهدة التليفزيون - الذهاب إلى الأندية

0 خلاصة :

0 يعتبر نشاط وقت الفراغ أكثر أهمية للشعور بالرضا.. من العمل بالنسبة لكثير من الناس

0 يكون نشاط وقت الفراغ مصدرا للشعور بالرضا عن الحياة .. لأنه يمارس بدوافع داخلية .. بدون ضغط خارجي .. من خلال استخدام وتنمية المهارات .. وتوفير الإشباع الاجتماعي .. والشعور بالهوية .. والاسترخاء

الفصل الخامس

المال والطبقة والثقافة

0 هل الأغنياء أكثر سعادة من الفقراء .. وهل يتمتعون بالصحة .. والهناء أكثر من غيرهم ؟

هذا ما سنجيب عليه تفصيلا فيما يلي :

0 هناك من الأدلة ما يشير إلى أن المال يخفف من العناء ..و يضاعف الشعور بالبهجة .. بما يوفره من إمكانيات لقضاء وقت الفراغ

0 فالأكثر دخلا .. أكثر سعادة إلى حد ما من الأقل دخلا

0 والأغنياء أكثر اهتماما بالمال من غيرهم .. وأكثر قلقا عليه .. وأكثر إيمانا بأن المال قوة

0 يبدو محتملا لنا أيضا أن شديدو الفقر لن يكونوا سعداء

0 تأثير الدخل على السعادة.. أقل عند صغار السن.. منه عند الكبار

0 والخلاصة : أن الدخل والطبقة الاجتماعية .. لهما تأثير ضئيل على السعادة .. وهذا التأثير أقل عند صغار السن .. وعند الأقل تعليما

0 الدخل .. والطبقة الاجتماعية ..يؤثران على مجالات أخرى للرضا العام .. مثل :

1- العمل : المكانة الاجتماعية للمهنة .. مصدر أساسي وهام للسعادة .. مستقل عن الأجر وعن طبيعة العمل

2- وقت الفراغ : الطبقة الوسطي .. أكثر استغلالا لوقت الفراغ .. بينما يشاهد أبناء الطبقة العاملة التليفزيون

0 الأكثر ثراء .. يستمتعون بوقت الفراغ بصورة أفضل

3- العلاقات الاجتماعية : هناك نسبة أعلى من أبناء الطبقة الوسطي .. سعداء في زواجهم .. وينمون علاقات اجتماعية أفضل .. بينما أبناء الطبقة العاملة يزورون أقاربهم أكثر .. ويعرفون عددا اكبر من الجيران

4- الذات : يتمتع الأثرياء بمستوى أعلى من تقدير الذات عن باقي الناس .. بينما ينخفض تقدير العاطلون عن العمل .. والفقراء لأنفسهم

5- تأثيرات التغير في الثروة : عندما يصبح المرء أكثر ثراء .. يصبح أكثر اضطرابا... ( العداء .. الغيرة .. طلبات النقود..ترك العمل أو تغيير السكن .. مزيد من الوحدة )

0 خلاصة :

0 يزيد الشعور بالسعادة قليلا لدى الأكثر غنى .. أو المنتمين إلى طبقة اجتماعية أعلى

0 وهناك فروق طبقية واضحة ..فيما يتعلق بالصحة النفسية والعقلية .. فنجد أن صعوبات الحياة اليومية ..أكثر عند أبناء الطبقة العاملة .. وأيضا قلة الدعم الاجتماعي .. مما يؤدى إلى فروق كبيرة في الصحة العامة .. والصحة النفسية

الفصل السادس

الشخصية

هل هناك أناس سعداء بطبيعتهم ؟

0 نقول أحيانا عن شخص معين .. أنه ذو مزاج مشرق أو مبتهج .. وكذلك يقرر الأخصائيون النفسيون أن شخصا ما مكتئب

0 إذا هل تعتمد السعادة على كون الفرد شخصا سعيدا .. أم تعتمد على كونه يمر بالعديد من المواقف المبهجة ؟

0 هناك أدلة على أن الناس السعداء.. يفسرون المواقف بطريقة ايجابية ..وان مجرد إضافة أحداثا مبهجة ..ليس مؤشرا دقيقا.. ينبىء بحتمية حدوث السعادة.. وأيضا توجد أدلة على أن هناك أناس مكتئبون بدرجة واضحة .. وهناك أناس يكونون عادة في حالة مزاجية ايجابية .. وان كان هذا أقل شيوعا

0 السعداء هم من يميلون إلى النظر.. إلى الجوانب المشرقة من الأمور .. والناس عندما يكونون في حالة مزاجية سعيدة .. فإنهم يتذكرون الأحداث السعيدة بصورة أفضل .. ويميلون إلى الاستجابة ايجابيا لأي شيء

0 يرتبط تقدير الذات ارتباطا قويا بالشعور الذاتي بالهناء .. أكثر من أي شيء آخر .. ويقيم المكتئبون آرائهم في الأعمال المختلفة بصورة أكثر سلبية .. ويقللون من قيمة كفاءتهم .. رغم أن تقديرهم لذو اتهم .. يكون أكثر دقة.. وواقعية ..من تقدير الأسوياء لذواتهم .. ولكن هناك تدهور في تقدير الذات ..أثناء فترات الشعور بالتعاسة .. وربما تكون السعادة تؤثر على تقدير الذات .. والعكس صحيح

0 وجد أن العصبية ترتبط ارتباطا كبيرا بالمشاعر السلبية .. وأيضا الاكتئاب يرتبط بقوة مع التعاسة .. وكذلك ..يرتبط الشعور بالوحدة مع التعاسة

0 الانبساط أكثر الخصائص الشخصية ارتباطا بالسعادة .. لدرجة أن الانبساط يمكن أن يتنبأ بالسعادة بعد 17 سنة

0 الضبط الداخلي :

0 يوصف الأشخاص أنهم مرتفعون في الضبط الداخلي .. إذا كانوا يعتقدون أن الأحداث تقع تحت سيطرتهم .. ولست راجعة إلى الآخرين .. أو إلى القدر .. أو إلى الحظ

0 الشعور الذاتي بالهناء .. يزيد لدى أولئك الذين يتميزون.. بارتفاع درجة الضبط الداخلي

* الأشخاص الذين مروا بأحداث الحياة السلبية أكثر .. يصبحون تعساء .. ومعتقدين أنهم غير قادرين على التحكم في الأحداث ..في آن واحد

0 يشعر الناس بالسعادة أكثر .. إذا استطاعوا حل صراعاتهم الداخلية .. وتحقيق درجة من التكامل في شخصياتهم

0 كلما انخفضت درجة التفاوت بين الذات و الذات المثالية .. أو بين الطموحات والإنجازات .. كانت درجة السعادة أكبر

0 كما أن السعداء لديهم علاقات طيبة مع الآخرين .. هم أيضا أقدر على التعامل في مجال العمل .. بالمقارنة بالتعساء .. فقد كان للعمل معنى بالنسبة لهم ..وشعروا أنهم يستطيعون تحقيق أهدافهم فيه .. وقد وجدوه مرضيا جدا

0 أقوى ما يكون الشعور الذاتي بالرضا عن الحياة .. لدى الأشخاص الذين تضمنت مشروعات عملهم أهدافا قصيرة المدى وممتعة وقابلة للتحقيق ..أو التي تنجز بالتعاون مع الآخرين

0 ينظر الأشخاص السعداء نظرة ايجابية للوقت .. إذ الوقت عندهم مليء بالأعمال وفق خطة معينة .. وهم دقيقون وأكفاء .. ومن ثم يبدوا المستقبل مشرقا في نظرهم .. أما بالنسبة للأشخاص التعساء .. فالوقت غير مليء.. والأحداث غير متواصلة ..والوقت مفتوح دون التزام .. ويعمدون إلى تأجيل الأشياء .. وهم عادة اقل كفاءة .. ويتصفون بالقلق والتوجس على المستقبل

0 المهارات الاجتماعية .. والكفاءة في التعامل الاجتماعي ..مصدر هام آخر من مصادر السعادة .. ومن المرجح بالنسبة لمن هم أكثر فاعلية في هذا المجال.. أن يكون لهم عدد اكبر من الأصدقاء .. و أكثر كفاءة في مجال اعمل .. خصوصا الأعمال التي تتطلب التعامل مع الآخرين .. وهم أكثر استمتاعا بوقت الفراغ .. حيث أن لديهم القدرة على التعاون.. والتواصل.. بسهولة مع الآخرين

0 ومن المؤكد أيضا.. أن انخفاض الكفاءة الاجتماعية .. يهيىء الناس للمرور بأحداث حياة سلبية .. خصوصا فيما يتعلق بالعمل .. والمستوى المادي للمعيشة .. وهذا بدوره يؤدى إلى الشقاء و التعاسة .. مما يؤدى إلى انخفاض الكفاءة الشخصية

0 ترتبط القدرة على التعامل مع المشاكل والأمور المقلقة ومواجهتها بالسعادة .. فأولئك الذين يتوجهون للحديث مع الآخرين .. أو إلى الصلاة .. إذا شعروا بالتعاسة ..يميلون إلى أن يكونوا اسعد من غيرهم ممن لا يفعلون ذلك

0 لا يتأثر من يتصفون بضبط داخلي مرتفع .. كثيرا .. بأحداث الحياة السلبية .. وذلك لأنهم يستخدمون طرقا أفضل للمواجهة .. فهم يحاولون تغيير الموقف ..بدلا من تجنبه ..أو محاولة التهوين منه ..كما يفعل من يتصفون بالضبط الخارجي .. وهم يتميزون أيضا بالمرونة

0 يتبين لنا إذن.. أن الشخصية مصدر هام للهناء والسعادة .. كما يظهر من العلاقة القوية التي تربط السعادة بالمتغيرات الشخصية .. كالانبساط والضبط الداخلي

0 خلاصة :

0 هناك من الناس من يميل إلى أن يكون سعيدا دائما .. رغم اختلاف الحالة المزاجية ..مع اختلاف الأحداث والظروف

0 السعادة جزء من جملة خصائص أوسع نطاقا .. تشمل اختيار المواقف المدعمة .. والنظر إلى الجانب المشرق من الأمور ..والمستوى المرتفع من تقدير الذات

0 ترتبط السعادة بقوة بالعناصر الأخرى للشخصية .. مثل الانبساط .. والضبط الداخلي .. وغياب الصراعات الداخلية .. والعلاقات الاجتماعية الجيدة .. والاندماج في عمل مفيد .. وأنشطة وقت الفراغ الهادفة .. والقدرة على تنظيم الوقت .. وترتبط ارتباطا ضعيفا مع عدد من الصفات الشخصية الأخرى .. مثل الذكاء والجاذبية

0 تبين البحوث أن الاكتئاب يرجع إلى التأثير المشترك لكل من .. أحداث الحياة الشاقة .. وعوامل الخطر الأخرى مثل نقص الدعم الاجتماعي .. وأن إرجاع الفشل إلى الذات .. وكذلك الاعتقادات المشوهة .. إنما هي قرائن تصاحب الاكتئاب .. بأكثر مما تسببه .. رغم أن تغيير هذه الخصائص.. يمكن أن يخفف من الاكتئاب

0 التدين مصدر أكيد للسعادة .. رغم قلة تأثيره .. وهو أكثر أهمية بالنسبة لكبار السن .. والتدين ..أكثر ارتباطا مع السعادة الزوجية ..ومع الصحة

الفصل السابع

السرور

0 تنوع الحالات المزاجية الايجابية :

0 هناك أنواع عدة من الحالات المزاجية الايجابية .. مثلما أن هناك في اللغة عدد كبير من الكلمات لوصفها

0 وقد أوضحت الدراسات.. أن هناك بعدين أساسيين للتعبير الانفعالي .. وأيضا للتعبير الانفعالي للوجه .. هما :

1- سار .. غير سار .. ( أو سعيد..حزين )

2- الاستثارة .. النوم .. ( أو درجة الاهتمام والإثارة )

0 وكذلك فقد وجدنا أن هناك نظامين عصبيين عضويين ( نيورو فسيولوجيين )مستقلين هما المسئولان عن هذين البعدين

0 ويمثل اجتماع الإثارة مع السرور معا .. في الضحك ومزاج الاستثارة السعيدة

0 وقد وجد أن العمق من أهم الأبعاد التي ظهرت من خلال الدراسة .. وتستثار مشاعر العمق بالموسيقى والقراءة ومشاهدة الطبيعة .. وقد وصف العمق بأنه الهام .. ومزيج من الحزن والسرور .. وروحاني يحرك بعمق .. كذلك يشترك العمق في كثير من الخصائص مع ما يسمى بالخبرات القصوى .. أو لحظات أقصى للسعادة والتحقق .. وتتضمن خصائص هذه الخبرات القصوى ما يلي :

- الاستغراق والانتباه المركز - الوعي بقوة

- الإحساس الشديد بالسرور والقيمة والمعنى - التلقائية وعدم بذل الجهد

- الشعور بالتكامل والهوية

0 هناك من يقول ..أن مصدر هذا الاندماج ..هو التوازن بين التحدي الذي يقدمه النشاط .. وبين مهارات الشخص القائم بالنشاط.. فإذا زاد التحدي ..كان هناك قلق .. وإذا قل التحدي بدرجة كبيرة .. كان هناك ملل

0 أسباب طيب المزاج :

0 هناك فروق كبيرة بين الأفراد .. في ما يثير فيهم أعظم السرور .. فقد يكون القراءة بالنسبة للبعض .. والرقص بالنسبة للبعض الآخر مثلا .. ومن المهم أن نتذكر هذا الأمر جيدا.. عندما نحاول الترويح عن الناس من خلال أنشطة مختلفة.. تجلب البهجة

0 وفى الجدول الآتي.. إجابات 467 شخص .. عن أي الأحداث أكثر ايجابية بالنسبة لهم :

0 الوقوع في الحب

78%

0 النجاح في الامتحان.. أو الحصول على مؤهل

75.5%

0 الشفاء من مرض خطير

72.1%

0 في إجازة

68.9%

0 التصالح مع الزوج أو الحبيب ..بعد خناقة

66%

0 الزواج .. أو الخطوبة

65%

0 ولادة طفل

64.6%

0 كسب مبلغ كبير من المال

64.4%

0 الترقية في العمل .. أو زيادة الأجر

59.9%

0 زيارة صديق .. أو الخروج معه في نزهة

58%

0 الحصول على وظيفة جديدة

56.1%

0 ويبقى بعد ذلك أن نقول .. إن مصادر السرور مازالت أكثر تنوعا من ذلك .. وسنتناول الآن بعضا منها بالتفصيل :

1- الأحداث الاجتماعية :

0 أكثر المصادر شيوعا .. وان كنا لا نعرف بدقة لماذا

0 حتى عند الأطفال الرضع .. وجد أن لديهم ميل فطرى ..لان يستجيبوا للناس بالنظر والابتسام .. وينمو هذا الميل من خلال التفاعل المبكر مع الأم

2 – العمل ونشاط وقت الفراغ :

0 وقد تم وصف الطرق التي تؤدى إلى الرضا والسرور .. في الفصلين الثالث والرابع

3- التدريبات والألعاب الرياضية :

0 تولد شعورا بالهناء.. من خلال تأثيراتها الفسيولوجية .. مثل إطلاق الاندورفين.. والموصلات العصبية الأخرى.. ثم الاسترخاء بعدها .. كذلك فلها تأثيرات نفسية .. مثل تنظيم مستوى الاستثارة .. والابتعاد عن الروتين .. وتقدير الذات النابع من الأداء الناجح

0 يمكن لبعض الألعاب الرياضية .. أن تؤدى إلى نوع من الانتعاش .. عند مستوى الأداء الأقصى .. عندما يشعر اللاعب بقوة وتحكم غير عاديين .. ويقل وعيه بما يحيط به .. ويبدو كما لو أن الجسم يتحرك مستقلا

4- العقاقير :

0 هناك عدد من العقاقير القادرة على إحداث حالات مزاجية ايجابية .. رغم أن لها آثار أخرى ضارة .. فالأمفيتامينات تطلق الدوبامين والنور أدرينالين .. مما ينتج عنه مزيد من النشاط .. وأيضا مضادات الاكتئاب تزيد من نشاط هذه الموصلات العصبية .. وخاصة النور أدرينالين .. وبهذا تكون قادرة على أن تخفف الاكتئاب

0 وللكحول تأثير خافض لنشاط الجهاز العصبي المركزي .. وكما يقال.. إن الأنا الأعلى.. قابل للذوبان في الكحول .. وينتج عن ذلك فقدان قدر من الكفاءة .. وزيادة التقارب الاجتماعي الحميم

0 وقد وصفت خبرة تعاطى عقار الهلوسة LSD .. بأنها تشبه الوصول إلى قمة النشوة الجنسية.. ألف مرة

5- الموسيقى :

0 يمكن للموسيقى أن تحدث العديد من الانفعالات الايجابية .. مثل السرور .. والإثارة .. والشعور العميق بالرضا

0 وهناك بعض الخصائص في الموسيقى متعلقة بالانفعال .. مثل أن السرور يتماشى مع معدل إيقاع أسرع .. وانسياب في النغمات .. وعندما يصاحبها الغناء ..تزداد أهمية خصائص الصوت التي تعبر عن الانفعال

6- الطقس :

0 تزداد سعادة الناس.. ويزداد لطفهم تجاه بعضهم البعض في الأيام المشمسة .. وعندما يكون الجو دافئا بدرجة معقولة .. والرطوبة منخفضة .. وهذا يؤثر على شعورهم بالرضا عن الحياة بوجه عام

0 ورغم ذلك توجد لدى الإنسان درجة عالية من التكيف مع أنواع الطقس المختلفة

7- الطبيعة :

0 يشعر الناس بمشاعر ايجابية قوية ..في الريف.. وفى البرية .. وفى الأماكن الطبيعية .. ويفضلون الطبيعي على ما هو من صنع الإنسان..وأيضا للسلام والهدوء الذي تنعم به هذه المنطقة

0 الأساس الفسيولوجي للانفعالات الايجابية :

0 الانفعالات الرئيسية هي :

0 السعادة .. الحزن .. الغضب .. الخوف ..التقزز .. الازدراء ..الدهشة .. الاهتمام .. الخجل

0 وهناك ثلاثة عناصر للانفعال :

1- الحالة الفسيولوجية 2- التعبيرات الوجهية والجسمية 3- الخبرة الشعورية المصاحبة لها

- ومن المفيد أن نحصل على معلومات مباشرة.. عن الحالات الفسيولوجية .. والدوافع .. مثل الجوع والعطش .. بحيث نسلك السلوك المناسب

0 وتمثل الاستثارة الانفعالية العامة .. مثل زيادة معدل ضربات القلب .. عاملا هاما لتنشيط الكائن الحي لمجابهة المخاطر بالهجوم أو الهرب مثلا .. وهناك مناطق معينة في المخ ( limbic system - hypothalamus ) .. تقوم وراء انفعالات معينة .. مثل : الغضب .. والخوف .. والجنس ..وهناك مناطق أخرى في المخ .. مسئولة عن باقي الانفعالات الأخرى

0 تعود الخبرة بالانفعال ..جزئيا.. إلى الوعي الذاتي بالتغيرات التي تحدث في الجسم .. مثل معدل النبض.. وضغط الدم ..وباقي التغيرات الأخرى .. ويتأثر الانفعال أيضا بالتعبيرات الوجهية.. ( مع ملاحظة أن .. التعبيرات الوجهية تنظم شدة الانفعال .. ولكنها لا تستبدل انفعالا بآخر )

0 ويكون للمنبه الواحد دلالات مختلفة .. اعتمادا على توقعات المشاهد .. وهذا بدوره يعتمد على ما اعتاده الشخص

0 تتأثر الخبرة الانفعالية.. بالعوامل الاجتماعية.. بطرق عديدة .. إذ يزيد ظهور التعبيرات الانفعالية .. عندما يكون هناك آخرون يشاهدونها .. وأيضا تتأثر الانفعالات بشدة .. بالحالة المزاجية الظاهرة للآخرين ( الغضب معدي .. الفرح معدي أيضا )

0 تأثيرات الحالة المزاجية الايجابية :

0 للمزاج الحسي عدد من الآثار القوية على السلوك والتفكير :

1- التفكير الايجابي :

0 يفكر الناس بصورة مختلفة تماما عندما يكونون سعداء .. بالمقارنة بحالتهم أثناء فترات الحزن

0 وقد وجد في إحدى الدراسات .. أن الحالات المزاجية السعيدة تؤدى إلى :

- وصف مجمل للأحداث الاجتماعية

- إدراك للذات على أنها على درجة عالية من الكفاءة الاجتماعية

- مشاعر بالثقة بالنفس .. وتقدير الذات

0 وتشير الدراسات الأخرى إلى أن الأفراد عندما يكونون في حالة مزاجية حسنة .. يدركون أفعالا ايجابية أكثر .. وأخرى سلبية أقل في سلوكهم .. وسلوك الآخرين .. على شرائط الفيديو

2- الذاكرة :

0 انك إذا وضعت الناس في حالة مزاجية ايجابية .. فإنهم يستطيعون تذكر الأحداث السعيدة ..والكلمات الايجابية.. بصورة أفضل

0 وأيضا تذكر أحداث الطفولة السارة بصورة أكثر من الأحداث غير السارة

0 فالحالة المزاجية الحسنة تمكن الأفراد من تذكر كلمات تصف سمات ايجابية في الشخصية بصورة أفضل .. بينما تحقق الحالات المزاجية الحزينة .. تذكر أفضل للكلمات التي تعبر عن سمات سلبية

3- حل المشكلات :

0 يعالج الأفراد المشكلات وهم في حالة مزاجية حسنة بطريقة مختلفة عما لو كانوا في حالة مزاجية سيئة أو محايدة ..فهم يعملون بسرعة اكبر..ويتبنون أبسط الاستراتيجيات .. ويقبلون بأول حل يتوصلون إليه .. ويبدون كفاءة في اتخاذ القرار ولا يكونون مندفعين أو مهملين أو متهورين

0 هناك من الأدلة ما يشير إلى أن استثارة المزاج الحسن.. يؤدى إلى مزيد من التداعيات غير المعتادة .. وهذا يؤدى إلى المزيد من الإبداع والقدرة على حل المشكلات

4- المعاونة والغيرية ( الإيثار ) :

0 الحالة المزاجية الطيبة .. تؤدى إلى مزيد من التقدير الايجابي .. والمحبة للآخرين

0 ونجد أن الناس يحبون بعضهم أكثر .. إذا تقابلوا في غرف جميلة .. بدلا من الغرف القبيحة .. أو في غرف مبهجة .. بدلا من غرف مزدحمة وحارة

0خلاصة :

0 حددنا بعدين أساسيين.. للحالات المزاجية :

- السار وغير السار

- والاستثارة والنوم

.. وهناك من الأدلة ما يشير إلى بعد ثالث .. العمق ..أو الفيض .. أو الاندماج الشديد

0 هناك ثمانية أسباب للسرور .. بعضها يقوم على إشباع الحاجة .. والبعض على مصادر أخرى مختلفة .. وأن تأثير هذه الأحداث بعضها فسيولوجي .. والآخر سيكولوجي ( نفسي )

0 الأساس الفسيولوجي للحالات المزاجية الايجابية .. يكمن في أن الخبرة الذاتية.. تزودنا بمعلومات عن الانفعالات .. وتزودنا مراكز الاستمتاع في المخ بالحالة الممتعة .. وان كانت تلك الحالة قابلة للتعديل.. في ضوء ما تكشف عنه تعبيرات الوجه المختلفة .. وكذلك حسب تفسيرنا للموقف .. وحسب سلوك الآخرين

0 تؤدى الحالات المزاجية الايجابية.. إلى أفكار ايجابية ..كما تتحسن معها القدرة على تذكر الأحداث السعيدة .. وتهيىء قدرات إبداعية أفضل .. وإمكانية أفضل لحل المشكلات .. وكذلك مزيد من المساعدة ومزيد من المحبة للآخرين

الفصل الثامن

الشعور بالرضا عن الحياة

0 يعد الشعور بالرضا ..كما رأينا في الفصل الأول .. واحدا من المكونات الأساسية للسعادة

0 والشعور بالرضا .. هو نوع من التقدير الهادىء .. والتأمل .. لمدى حسن سير الأمور .. سواء الآن .. أو في الماضي

0 وهناك شعور بالرضا عن الحياة بوجه عام .. وعن العمل .. وعن وقت الفراغ .. وعن الزواج .. وعن المجالات الأخرى

0 وسنعرض الآن .. لعدد من النظريات الرئيسية.. التي وضعت لتفسير الاختلاف في الشعور بالرضا بين الناس :

0 تأثير الظروف الموضوعية على الشعور بالرضا :

0 رأينا في الفصل الثاني أن العلاقات الاجتماعية تمثل مصادر رئيسية للسعادة

0 ورأينا في الفصل الثالث أن العمل يمثل مصدرا للشعور بالرضا لمعظم الناس .. بينما تمثل البطالة مصدرا لعدم الرضا

0 ورأينا في الفصل الرابع أن نشاط وقت الفراغ يعتبر من المصادر الكبرى للشعور بالرضا

0 وهذه المجالات.. الثلاثة من مجالات الحياة ( الآخرون .. العمل .. وقت الفراغ ).. هي المجالات الثلاثة الأساسية ..للشعور بالرضا عن الحياة

0 ما من شك أن ظروف الحياة تؤثر على الشعور بالرضا .. فالأشخاص المستقرون في زواجهم .. ولديهم عمل مشوق .. وصحتهم جيدة .. الخ .. لاشك أنهم أكثر سعادة من الآخرين .. ولكن هذا ليس كل شيء .. فهناك الكثير من الشعور بالرضا المستمر .. من أنشطة ممتعة ولكنها لا ترتبط بإشباع للحاجات

0 خبرة الأحداث السارة :

0 إذا كان الشعور بالرضا لا يتأثر دوما بالظروف الموضوعية .. فربما كان يتأثر أيضا بخبرة الأحداث السارة .. والتي تولد مشاعر ايجابية

0 وقد تبين أن مجرد وضع الناس في حالة مزاجية حسنة .. يزيد من تعبيرهم عن الشعور بالرضا عن الحياة ككل

0 الطموح والإنجاز :

0 يكون الشعور بالرضا أكثر.. عندما تقترب الطموحات من الإنجازات .. ويكون أقل عندما تبتعد عنها

0 وتقوم الطموحات على المقارنة بالآخرين .. أو على خبرة الفرد الماضية

0 المقارنة مع الآخرين :

0 لكي تحدد ما إذا كان الفرد قصيرا أم طويلا .. لابد من عقد مقارنات مع الآخرين

0 وتعتمد كيفية إصدار الناس للأحكام .. أو التقديرات ..على فهمهم لمعنى الدرجات.. على مقاييس التقدير هذه

0 ويحتمل أن تكون التقديرات الذاتية للشعور بالرضا عن الحياة.. معتمدة على المقارنة مع الآخرين .. بينما يعتمد تقدير السعادة .. على الحالات المزاجية المباشرة

- ولكن مع من يختار المرء أن يقارن نفسه ؟

0 إن غالبية الناس يقارنون أجورهم بأجور الآخرين .. وخصوصا من يعملون في نفس المهنة

0 وتكون أكثر المقارنات وضوحا .. تلك التي تكون مع الجيران والأقارب .. أو زملاء الدراسة أو الجامعة السابقين

0 كذلك نجد أن الناس الذين هم موضوعين في ظروف غير مناسبة.. يستطيعون اكتشاف صفات فيهم يكونون متفوقين فيها على الآخرين .. فمرضى الشلل يرون أن العقل أهم من القوة العضلية .. وهذه المقارنات تؤدى إلى زيادة تقدير الذات .. وان كان من المحتمل أن تؤدى إلى زيادة الفجوة بين ما هو منجز وما هو مستحق .. أي يزيد الشعور بالظلم

0 وتبين العديد من الدراسات .. أن الناس تحت الظروف الشاقة .. يكون لديهم تأثير منخفض للذات .. لذلك يقارنون أنفسهم بمن هم أقل مكانة منهم .. بينما يمكن أن يكون وجود أفراد أكثر نجاحا .. مصدرا لعدم الشعور بالرضا وعدم الراحة .. وهناك من الأدلة ما يشير إلى أن اعتقاد كبار السن بأن الآخرين يعيشون في ظروف سيئة .. يشعرهم بشيء من البهجة

0 وربما كانت هناك مزايا لتعرض الفرد لطفولة تعسة

0 التكيف :

0 الحكم على المنبهات المختلفة.. بالمقارنة بالمنبهات التي خبرناها في الماضي .. فقد تكون نفس الأحداث ..مصدرا للألم..أو اللذة بناء على مستوى التكيف السابق

0 والتكيف عملية تجرى باستمرار .. والناس عموما.. قادرون على التعود على أي شيء

0 والتكيف يستغرق بعض الوقت.. إلى أن تستقر الحال

0 وان كان هناك اعتراض على هذه النظرية .. يتمثل في أن بعض الناس سعداء جدا .. وبعضهم شديدو الاكتئاب .. فلماذا إذن لم يحدث التكيف ؟

0 النظر إلى الجوانب المشرقة :

0 يدعى معظم الناس أنهم راضون جدا .. وأنهم اسعد من الآخرين .. وربما كانوا لا يذكرون الحقيقة ..أو أنهم لا يواجهونها.. وقد يكون السبب في ذلك ..هو هروب الناس.. من الحالات المزاجية السيئة

0 خلاصة :

0 للظروف الموضوعية تأثير ضئيل على الشعور بالرضا عن الحياة

0 تخلق الأحداث السارة حالات مزاجية ايجابية .. كما تزيد من الشعور بالرضا عن الحياة

0 يحدث التكيف مع أي ظروف خاصة .. ولكن في حدود

0 الفجوة بين الطموح والإنجاز .. تعدل من تأثير الإشباع الحقيقي للحاجات .. رغم أن هذا قد لا ينطبق على الاشباعات البيولوجية .. مثل الجنس مثلا

الفصل التاسع

العمر والجنس

0 العمر :

1- السعادة .. والشعور بالرضا :

0 لا يتغير الشعور بالسعادة كثيرا مع العمر .. وتبين مقاييس تواتر السرور أو الانفعالات الايجابية .. انخفاضا متواصلا مع العمر ..وكذلك يتضاءل معدل الأنشطة السارة تضاؤلا واضحا مع العمر

0 والانخفاض لا يكون في معدل الاستمتاع بالأحداث .. ولكن الانخفاض يكون في معدلات الحدوث

0 ومن كل ما سبق يتبين لنا أن كبار السن أكثر شعورا بالرضا .. وان كانو يخبرون المشاعر ( سواء الايجابية أو السلبية ) بشدة أقل

0 وتفسير هذه التغيرات العمرية .. أن التباين بين الطموح والإنجاز ينخفض عند كبار السن .. ولأنهم أيضا أكثر تكيفا مع ظروفهم

0 وربما يكون السبب في الشعور بالرضا ( وليس السعادة ) لدى كبار السن من غير المتعلمين .. أنهم لم يكن لديهم طموحات مرتفعة في الصغر .. وأنهم تعودوا على تقبل الأمور كما هي

2- التوتر .. والمشاعر السلبية .. والاضطراب العقلي :

0 تبين الدراسات أن التوتر الانفعالي .. ينخفض باستمرار مع تقدم العمر .. بينما تكون أكبر زيادة في التوتر في فترة العمر من 30 إلى 40 سنة .. وربما كان هذا بسبب وجود أطفال

0 الاكتئاب أكثر شيوعا لدى من هم فوق الأربعين .. وخاصة النساء .. كذلك تتزايد بعض الأعراض النفسية .. أو النفسجسمية مع تقدم العمر .. خاصة سوء الهضم.. والإمساك.. وضغط الدم.. والسمنة .. و لكن بعض هذه الأعراض.. ينخفض مع العمر .. مثل الصداع .. توتر الأمعاء .. والإسهال

3- الصحة :

0 يزداد كم المرض زيادة بطيئة مع العمر .. ويظل احتمال الموت ضئيلا ..حتى سن الخمسين .. ثم يتزايد بسرعة بعد ذلك .. وان كان الموت والحياة يعتمد جزئيا على إرادة الحياة .. أو حرص الفرد على أن يستمر على قيد الحياة .. وتقل إرادة الحياة كثيرا لدى المنعزلين اجتماعيا ..وضعاف الصحة .. والذين يشعرون انه لا جدوى من وجودهم

0 خلاصة :

0 كبار السن أكثر شعورا بالرضا .. والى حد ما أكثر سعادة ..وان كانو ينفعلون بصورة اقل

0 هناك زيادة في الشعور بالرضا عن بعض جوانب الحياة الأكثر أهمية .. مثل العمل .. الزواج ..الدخل .. نشاط وقت الفراغ ..وممارسة الشعائر الدينية .. ولكن الشعور بالرضا عن الصحة .. والجنس .. والجاذبية الجسمية .. ينخفض مع تقدم العمر

0 ولتفسير هذه الزيادة في الشعور بالرضا .. نجد أن الأكبر سنا .. أحسن حالا ماديا .. وأكثر تلائما مع ظروفهم وبيئتهم .. أما بتغييرها .. أو بتغيير أنفسهم .. كذلك فطموحاتهم وتوقعاتهم اقل مما كانت عليه في الماضي .. بحيث تكاد تقترب من واقعهم الحالي

0 كذلك ينخفض التوتر .. وتتحسن الصحة النفسية .. ومن ناحية أخرى .. يزداد الاكتئاب في الأكبر سنا .. مع بعض الأعراض النفسجسمية .. مثل ارتفاع ضغط الدم

0 يعانى كبار السن بدرجة اقل من القلق التوتر ..ولكنهم يتعاطون الأدوية أكثر .. كذلك فكبار السن لديهم إمكانيات أكبر لمجابهة المشقةstress ( أموال أكثر .. صلات اجتماعية أكثر .. مهارات أفضل )

0 والمجال الأساسي الذي يحدث فيه تدهور مع العمر .. هو الصحة .. وخاصة بعد الخمسين .. ويعود هذا إلى التدهور البيولوجى التدريجي .. وأيضا يرجع إلى تراكم المشاكل من عادات صحية سيئة ومشقة

0 الجنس :

1- السعادة والشعور بالرضا .

0 لا توجد فروق كبيرة بين الرجال والنساء .. رغم أن النساء يشعرن بمشاعر سلبية بمعدلات أعلى .. ولكن تواتر المشاعر الايجابية عندهن أكثر من الرجال .. وتميل النساء لأن يخبرن المشاعر السلبية والايجابية على السواء بصورة أشد .. وفى كل الأعمار

0 وهناك اتجاه يشير إلى أن النساء أسعد من الرجال .. وخاصة إذا لم يكن لديهن أطفال .. أما عن من هم فوق ال55 عاما .. فالرجال أسعد من النساء

0 وكما سبق أن ذكرنا نجد أن العزاب اقل سعادة من المتزوجين .. ولكن هذا أوضح في الرجال عن النساء .. حيث أن الرجال العزاب يكونون اقل الناس سعادة .. كذلك النساء المطلقات .. أو المنفصلات عن أزواجهن

0 تختلف مصادر السعادة لدى الرجال عن النساء .. إذ يتأثر الرجال أكثر بالعوامل الاقتصادية .. والمادية .. وبوظائفهم أيضا .. بينما تتأثر النساء لكثر بأطفالهن .. وبصحة أفراد الأسرة .. ويهتم الرجال أكثر بالمجتمع .. والسياسة العامة .. وأيضا يشعر الرجال أكثر بالرضا عن أنفسهم من النساء .. اللائي هن أكثر نقدا للذات .. ويشعر الرجال أنهم أكثر تحكما في حياتهم كذلك

0 أيضا تختلف مصادر الإشباع الذاتي لدى الجنسين .. فكون المرء طويلا .. مهم بالنسبة للرجال بينما هو ليس كذلك بالنسبة للنساء .. والجاذبية الجسمية أكثر أهمية بكثير بالنسبة للنساء

2- التوتر.. والمشاعر السلبية.. والاضطراب العقلي :

0 النساء يعانين من أعراض اضطرابات نفسية .. سواء كانت شديدة أو ضعيفة ..أكثر من الرجال .. وتزيد هذه الفروق أكثر بعد الزواج .. بمعنى أن الرجال يحصلون على فوائد أكثر من الزواج مما تحصل عليه النساء

0 يختلف القلق والتوتر مع اختلاف دورة الحياة .. فالنساء أكثر توترا قبل الزواج .. ويشعرن بالتقييد والإحباط عندما يكون لديهن أطفال في سن المدرسة .. ويشعرن بالتعاسة عندما يتقدم بهن العمر دون أن يكون لديهن أطفال .. أو يكن أمهات غير متزوجات

0 ويقلق الرجال أكثر على الأمور المتعلقة بالمال .. في السنوات المبكرة من الزواج .. ويزداد شعورهم بالعناء .. عندما يتقدم بهم العمر دون زواج

0 لماذا تزيد معدلات القلق والاكتئاب لدى النساء ؟

0 سنناقش فيما بعد كيف أن دور المرأة أكثر مشقة من الرجل .. وان النساء أكثر حساسية من الرجال .. وهناك من يرى أن المرأة المتزوجة تواجه موقفا محيرا .. فهي إذا أصبحت ربة بيت ستصبح معزولة وحبيسة دون جزاء .. وإذا عملت نشأ صراع بين واجبا العمل وواجبات المنزل

0 وفى واقع الأمر إن ربات البيوت يكن في حالة عقلية أسوأ من النساء المتزوجات ويعملن .. أو من هن غير متزوجات ويعملن

3- الصحة :

0 توحي مؤشرات مختلفة بان النساء أسوأ حالا من الناحية الصحية من الرجال

0 والنساء أكثر تنبها لعدم الراحة الجسمية .. والأمراض الخفيفة .. وربما كان ذلك احد أسباب أنهن يعمرن أكثر من الرجال

0 وتعانى النساء أكثر من أمراض الدوالي وأمراض الدم والجهاز الدوري .. بينما يعانى الرجال أكثر من أمراض القلب والالتهابات الرئوية والحوادث والتسمم والعنف .. والنساء يبالغن في تقدير أمراضهن .. ويلجان للتردد على الطبيب في مرحلة مبكرة من المرض .. ويتناولن أدوية أكثر من الرجال لنفس الأعراض

0 والنساء يعشن أطول من الرجال .. وذلك لان أمراض النساء معظمها خفيفة قصيرة المدى .. بينما أمراض الرجال معظمها مزمنة وخطيرة .. وأيضا لان هرمونات الذكورة تضعف من جهاز المناعة وتجعل الرجال أقل مقاومة للعدوى .. وأيضا لان الرجال أكثر تعرضا للعنف من النساء .. ومن المحتمل أيضا أن النساء أكثر استفادة من شبكة الدعم الاجتماعي الأقوى مع وجود الأبناء والأسرة والأصدقاء والجيران .. ومن بين فوائد هذه العلاقات النصائح الطبية .. فالصحة من أهم مجالات الحديث بين النساء

0 والزواج هو العلاقة الوحيدة التي يكون فيها حظ المرأة اقل من حظ الرجل

0 خلاصة :

0 هناك فروق ضئيلة بين الجنسين فيما يتعلق بالرضا عن الحياة بوجه عام .. ولكن النساء لديهن مشاعر سلبية أكثر .. ومشاعرهن أكثر حدة .. والنساء الصغيرات والرجال كبار السن ..هم أكثر النساء سعادة بينما يكون الرجال صغار السن اقلهم

0 وليس هناك فروق كبيرة في الرضا عن المجالات المختلفة رغم أن الرجال يشعرون أكثر بالرضا عن الزواج .. ونسبة أكثر من النساء لديهن شبكة علاقات اجتماعية أكثر إرضاء

0 الرجال أكثر رضا عن أنفسهم من النساء .. والنساء أسوا صحة من الرجال لكنهن يعمرن أكثر .. وذلك لأنهن اقل تدخينا وتناولا للمشروبات الروحية .. ويعانين من مشقة اقل.. وحياتهن اقل خطورة .. ويعتنين بأنفسهن بصورة أفضل

0 لدى النساء معدلات أعلى من الاكتئاب والقلق ومظاهر المشقة الأخرى

الفصل العاشر

الصحة

0 تعتبر الصحة من المكونات الهامة للشعور بالهناء .. وترتبط الصحة ارتباطا وثيقا بالسعادة

0 ولا تتأثر مشاعر السعادة فقط بالصحة .. بل إن الصلة بينهما تقوى أيضا .. وخاصة لدى المتقدمين في العمر

0 والسعادة تسبب الصحة أيضا مثلما أن العكس صحيح :

0 العلاقات الاجتماعية :

0 الدعم الاجتماعي يمكن أن يقي من تأثير المشقة على الصحة الجسمية .. ويساعد على سرعة الشفاء من الأمراض المختلفة والعمليات الجراحية

0 الزواج :

0 الزواج هو أكثر أشكال الدعم الاجتماعي فاعلية

0 والنسبة كبيرة بين المتزوجين وغير المتزوجين في طائفة الأمراض المختلفة

0 الأصدقاء :

0 يقل معدل الشكوى من عدد كبير من الاضطرابات .. إذا كان هناك علاقة جيدة مع الأصدقاء

0 علاقات العمل :

0 الدعم الاجتماعي من زملاء العمل .. يخفض من تأثيرات العمل

0 وأيضا يقلل من تأثيرات بعض الأمراض الأخرى مثل القرحة والذبحة الصدرية

0 العلاقات الأخرى :

0 أكثر العلاقات أهمية هي العلاقة مع الأطفال .. إذ رغم ما يسببونه من مشقة .. فهم مفيدون صحيا

0 كيف تقي العلاقات الاجتماعية من تأثيرات المشقة على الصحة ؟

0 المشقة تضعف الجهاز المناعي .. وتجعل الجسم عرضة للأمراض المختلفة

0 ويمكن للدعم الاجتماعي أن يستعيد كفاءة الجهاز المناعي عن طريق استبدال المشاعر السلبية بأخرى ايجابية

0 من يعيشون وحدهم يمارسون سلوكيات صحية سيئة مثل التدخين وشرب الكحوليات .. بعكس من لديهم علاقات اجتماعية جيدة..فإنهم يطلبون المساعدة والدعم الاجتماعي من الآخرين

0 العمل والبطالة

0 يؤثر العمل على الصحة بطرق مختلفة .. فقد يكون العمل احد مصادر المشقة .. حيث تشير نتائج البحوث أن معدلات الإصابة بالأزمات القلبية .. تختلف إلى حد كبير تبعا للمهنة ( يتناسب الشعور بالرضا عكسيا مع أمراض القلب )

0 الحالة الصحية للعاطلين عن العمل أسوا منها لدى من يعملون .. فالعاطل عن العمل يتعرض للمشقة .. وغذاؤه اقل جودة .. وظروفه المعيشية أسوأ .. ويتجه إلى مزيد من التدخين وشرب الكحوليات

0 نشاط أوقات الفراغ :

0 بعض أنشطة وقت الفراغ مفيدة صحيا مثل الأنشطة الرياضية و البدنية .. فقد وجد أن هذه الأنشطة تقلل من معدلات حدوث أمراض القلب والضغط والسمنة والتهابات المفاصل .. والتأثيرات المختلفة للتقدم في العمر على القلب والرئتين والدورة الدموية

0 كذلك فبعض أنشطة وقت الفراغ مضرة للصحة .. مثل كثرة تناول الطعام والشراب .. والاشتراك في الرياضات الخطرة

0 بينما بعض أنشطة وقت الفراغ لا تؤثر على الصحة لا سلبا ولا إيجابا .. مثل صيد السمك وحضور مباريات الكرة .. ومشاهدة التليفزيون

0 الأجازات مفيدة للصحة .. حيث انه من المعروف أن الاسترخاء مفيد للصحة النفسية خاصة بالنسبة لمن يشعرون بالقلق والتوتر .. أو يتعرضون للمشقة

0 الفروق الطبقية

0 الطبقات الدنيا أعلى في معدل الإصابة بالأمراض وخاصة بالنسبة للرجال .. ويعود هذا جزئيا إلى تدنى ظروف الحياة .. فالبيوت اصغر والتدفئة اقل والأسرة أكبر حجما والطعام اقل جودة .. والنظام اقل وهكذا

0 تأثيرات التغيرات التي تطرأ على الثروة :

0 في إحدى الدراسات.. كان الفائزون باليانصيب .. في حالة صحية أفضل من باقي المجموعات الأخرى .. رغم أنهم كانو يعانون أكثر من الصداع .. وكذلك فان تدهور المستوى الاقتصادي يؤدى إلى سوء الصحة

0 الشخصية :

0 يرتبط نوع معين من التعاسة بضعف الصحة .. فالعصبية من بعض أسبابها شكاوى جسمية مثل الصداع وأوجاع البطن

0 والعصبيون أكثر تأثرا بالمشقة .. الأمر الذي يؤدى إلى القلق والاكتئاب ومشاعر التوتر .. التي تؤدى بدورها إلى شكاوى جسمية .. وقد وجد أن العصبية تمثل عاملا مهنيا للأمراض الأكثر خطورة أيضا

0 تتباين صفات أخرى للشخصية .. بين الذين يمرضون دائما.. وبين الذين هم ليسوا كذلك .. وبين من يتأثرون بالمشقة.. وبين من يستطيعون تحملها.. وهؤلاء الذين يتحملون المشقة يلقبون بأنهم متان .. أي شديدو القدرة على التحمل .. وتتكون المتانة من ثلاثة عناصر رئيسية :

1- الالتزام commitment أى اعتقاد الفرد في حقيقة وأهمية وقيمة ذاته وفيما يفعل

2- التحدي : أى الاعتقاد بان التغير وليس الاستقرار هو الأمر الطبيعي .. وتفسير أحداث الحياة الصعبة على أنها فرصة للنمو

3- التحكم control والتحكم الداخلي أيضا

0 وتتأثر أمراض القلب على وجه الخصوص بصفات الشخصية .. كما ترتبط بنوع معين من الشخصية هو النمط (أ) والذي يتضمن ثلاث مكونات 1- الكفاح من اجل الإنجاز .. بما يتضمنه من سلوك تنافسي وعدواني

2- الإلحاح في السرعة والوقت واعتقاده أن الوقت يمر أسرع مما هو في الحقيقة

3- الاندماج في العمل

0 ويزيد احتمال إصابة النمط (أ) بأمراض القلب ضعف المعتاد .. ويزيد هذا النمط بين الرجال الذين هم يحاولون بشدة التحكم في الظروف البيئية التي يمكن أن تؤذيهم جسميا ونفسيا .. وهم يهتمون أكثر بتقديرهم لذواتهم .. وأيضا الأفراد من الفئة (أ) علاقاتهم مع الآخرين تميل إلى أن تكون ضعيفة

0 هناك أيضا الفئة (س) من الشخصية .. الذين يعجزون عن التعبير عن الغضب .. وهم ميالون للموافقة والانصياع .. وغير مؤكدين لذواتهم وصبورين ..ولذلك فهم يتأثرون جدا بالمشقة stress ويعجزون عن تفريغ التوتر .. ويتأثرون عند مواجهة مشكلة في العلاقات الشخصية مثل الحسد والمنافسة ويصبحون فاقدي الأمل وقليلي الحيلة ومكتئبون

0 يفيد التدين الصحة كما يزيد السعادة ولدى المتدينين معدلا أكثر انخفاضا للإصابة بالأمراض .. وقد يكون السبب أن السلوكيات الصحية السيئة عند المتدينين اقل منها عند الآخرين مثل شرب الكحوليات وممارسة الجنس بعيدا عن الأزواج .. وقد يكون السبب أيضا أن التدين يزيد من حالات السلام مع النفس .. ويخفف من التوتر .. كما يمكن أن يكون السبب الدعم الاجتماعي الذي تقدمه المؤسسات الدينية مثل المسجد مثلا .. يمكن أن يقي من المشقة

0 خلاصة :

0 ترتبط الصحة ارتباطا وثيقا بالسعادة

0 العلاقات الاجتماعية الجيدة وخاصة الزواج تحسن الصحة

0 يؤثر الرضا عن العمل على الصحة النفسية .. كما أن للبطالة آثار ضارة على الصحة النفسية

0 يفيد نشاط وقت الفراغ الصحة .. وخاصة النشاط الرياضي

0 الحالة الصحية لأبناء الطبقة الوسطي أفضل من غيرهم .. والنساء يعشن أفضل لأنهن يعتنين بأنفسهن أفضل

0 الاسترخاء مفيد للصحة والصحة النفسية .. والأجازات تشجع على الاسترخاء

0 المستوى المنخفض من الانفعال والغضب .. والمستوى المنخفض من العصبية والقلق مرتبط ارتباطا وثيقا بالإصابة بالسرطان

0 تمكن المتانة والقدرة على التحمل الناس من أن يواجهوا تأثيرات المشقة بصورة أفضل

0 الدعم الاجتماعي يقلل من تأثير المشقة ويقلل من الغضب والقلق ويستعيد كفاءة جهاز المناعة

الفصل الحادي عشر

زيادة الشعور بالسعادة

0 لقد استعرضنا أهم أسباب السعادة.. وسنوجه اهتمامنا الآن إلى أهم التطبيقات العملية

هل يمكن زيادة سعادة الفرد والآخرين .. ؟ فإذا كان ذلك ممكنا فكيف ..؟ 0 بعض الأساليب التي سنقوم بوصفها .. يهدف إلى سيادة الحالة المزاجية الايجابية .. والبعض الآخر يهدف إلى زيادة الشعور بالرضا عن الحياة .. والبعض الثالث يتعلق بالصحة السليمة .. أو تجنب العناء

0 استثارة الحالات المزاجية الايجابية :

0 هناك طرق كثيرة لإدخال البهجة على الناس .. منها ما يأتي :

0 مشاهدة الأفلام الكوميدية 0 الاستماع إلى الموسيقى

0 التفكير في الأحداث السارة الماضية 0 إعطاء الفرد هدية صغيرة

.. ولكن لك هذه الطرق قصيرة المدى ولا تتعدى 15 دقيقة على الأكثر

0 من النشاطات التي تؤثر على الحالة المزاجية طوال اليوم :

0تفاعل اجتماعي :

0 التواجد مع أناس سعداء 0 التواجد مع الأصدقاء

0 التقبيل والمداعبة والمعانقة 0 ملاحظة الناس

0 التعبير عن الحب لشخص آخر .. أو يخبرك شخص آخر بأنك محبوب

0 التواجد مع من أحب 0 الدخول في مناقشة حية

0 أنشطة متنوعة :

0 تناول طعام جيد 0 الذهاب إلى مطعم جيد


نشاطات لا تتوافق مع الاكتئاب :

0 الضحك 0 الاسترخاء

0 التفكير في أناس أحبهم 0 التفكير في شيء جيد في المستقبل

0 مشاهدة مناظر جيدة 0 تنفس هواء نقى

0 الجلوس في الشمس 0 التواجد في جو هادىء وساكن

0 ارتداء ملابس نظيفة 0 النوم العميق ليلا

0 الاستماع إلى الموسيقى 0 الابتسام للآخرين

0 أحداث سارة مع الأسرة أو الأصدقاء 0 الشعور بوجود الله في حياتي

0 مشاهدة الحيوانات البرية

0 الكفاءة الذاتية :

0 إنجاز مشروع معين بطريقتي 0 قراءة قصص أو روايات أو قصائد محببة

0 التنظيم والتخطيط لشيء معين 0 القيادة بمهارة

0 قول شيء بوضوح 0 التخطيط للرحلات والأجازات

0 تعلم عمل شيء جديد 0 أن يقال أنني أديت أداء جيدا

0 أداء العمل بكفاءة

0 تحسين الظروف المادية :

0 من النظريات أن المرء يكون سعيدا كلما كان يكسب نقودا أكثر .. لكن يتضح من التجربة أن الأغنياء أكثر سعادة من الفقراء ولكن ليس كثيرا .. وإذا تحسنت الظروف الاجتماعية للجميع ينشا أحيانا انخفاض في الشعور العام بالرضا

0 ويعتمد الشعور بالرضا عن الدخل على المقارنة مع دخل الآخرين .. أكثر من اعتمادها على الدخل نفسه .. فحقيقة ما يريده الناس هو دخل اكبر من دخل الآخرين .. ويشعر المرء بالرضا أكثر إذا كانت أموره أفضل مما كانت عليه في الماضي .. لكن إذا تحسنت الظروف بصورة ملحوظة كان يكسب اليانصيب مثلا .. فان الشعور بالرضا يكون اقل

0 وعندما تتوافر الضرورات فان الإنفاق الزائد لا يزيد كثيرا من السعادة .. فمثلا عند تغيير السيارة بسيارة أحدث لم يكن الفارق كبيرا

0 ظروف الحياة التي تصنع فروقا واضحة في السعادة .. مثل العلاقات الاجتماعية والعمل ونشاط وقت الفراغ .. وان تحقيق ظروف طيبة في هذه المجالات .. لا يعتمد كثيرا على الثروة ولا على ظروف الحياة المادية

0 صحبة الآخرين :

0 كان أول مصادرنا الثلاثة للسعادة هو الآخرون .. وقد بينا أن الزواج والأسرة والصداقة والعلاقات الاجتماعية الأخرى هي مصادر أساسية للسعادة .. ولزيادة السعادة ينبغي للفرد أن يتزوج وان ينجب وان يحافظ على علاقات جيدة مع الجيران .. وربما احتجنا لكي نقوم بهذا إلى بعض التدريب على العلاقات الاجتماعية .. مثل القدرة على المكافأة .. وعلى إرسال إشارات غير لفظية ايجابية .. وتعلم قواعد الصداقة .. ولا يكون الزواج مصدرا للسعادة إذا لم يقم على التفاهم والحوار

0 وأيضا يحتاج الأفراد الذين لديهم أصدقاء ولكنهم يشعرون أيضا بالوحدة إلى أن يتعلموا كيف يبوحون بذوات أنفسهم أكثر .. وان يتحدثوا في موضوعات حميمة

0 لدى بعض الناس قدرة عالية على المكافأة .. وتوليد حالات مزاجية ايجابية في نفوس الآخرين .. وعموما الحالات المزاجية الشديدة الابتهاج تنتقل بسرعة إلى الآخرين

العمل :

0 نستطيع أن ننظر كيف نحسن كل واحد من مكونات السعادة في العمل :

1- الشعور بالرضا :

0 الأعمال المرضية ذاتيا هي الأعمال التي تستثير فينا الشعور بالرضا وهى ليست بالضرورة الأعمال الأعلى أجرا .. وكثيرون من الناس لا يقدرون المزايا المضمرة في العمل حتى يفقدوا وظائفهم ( وهى مليء الوقت وتنظيمه – وإعطاء مكانة وهوية – توفير صلات اجتماعية خارج نطاق الأسرة – ويصلنا بغايات وأهداف أوسع نطاقا )

2- المشاعر الايجابية :

0 يمكن الاستمتاع بكثير من المرح في العمل .. ويكون أساسا مع زملاء العمل .. مثل النكات والنميمة في فترات الراحة .. ويدور معظمه حول العمل

3- تجنب العناء وسوء الصحة :

0 العمل مصدر من المصادر الرئيسية للمشقة أيضا .. ويمكن الوقاية من ذلك من خلال العلاقات الطيبة مع زملاء العمل والمشرفين الذين يمكن لهم أن يوفروا دعما اجتماعيا ومساعدة ملموسة في التعامل مع المشكلات

0 نشاط وقت الفراغ :

1- الشعور بالرضا

0 يوفر نشاط وقت الفراغ ( مثله مثل العمل ) المكانة والهوية وشغل الوقت وتنظيمه وكذلك يوفر صلات اجتماعية

0 يتهيأ الكثير من مشاعر الرضا الذاتي من خلال نشاط وقت الفراغ لدى من يندمجون بجدية في هوايات مختلفة سواء وحدهم او مع الآخرين .. مثل الموسيقى .. والفن والتعليم الاضافى والعمل الاجتماعي والرياضة

2- المشاعر الايجابية :

0 نشاط وقت الفراغ اقل جدية من العمل وبه قدر كبير من اللهو .. وهذا من شانه أن يوفر الكثير من المشاعر الايجابية .. ولهذا يمكن الاعتماد عليها في توفير حالات ايجابية مستمرة

3- تجنب المشقة وسوء الصحة :

0 يفيد وقت الفراغ في تقليل الكثير من المشقة وتعزيز الصحة .. والتدريبات مفيدة للصحة النفسية .. والاسترخاء يقلل من المشقة الناجمة عن العمل أو أى مجال آخر

0 تحديد الأهداف ومكافأة الذات :

0 من الملامح الرئيسية للاكتئاب انخفاض تقدير الذات وتدنى تقييم الذات مع شعور بالفشل

0 وقد صمم احد أساليب العلاج بهدف زيادة التحكم الذاتي .. بان يحل المكتئبون الأنشطة الايجابية اليومية ثم يختارون بعد ذلك أهدافا صغيرة وواقعية ثم تزداد صعوبتها في الجلسات التالية .. ثم تعليم المكتئبين أن يكافئوا أنفسهم عقب عمل كل شيء يحبه .. وقد وجد أن هذه الطريق أكثر نجاحا من أشكال أخرى من العلاج .. وقد استخدم هذا الأسلوب مع طلاب غير مكتئبين دربوا على تحديد الأهداف ومكافأة الذات .. وقد تبين أنهم أكثر مكافأة للذات وأكثر سعادة بعد هذا التدريب

0 تحقيق الشخصية المتكاملة :

0 رأينا أن الناس يكونون اسعد عندما تنعدم لديهم الصراعات الداخلية .. مثل التي تنشا عن تفاوت كبير بين الطموحات والإنجازات .. ولعل مقولة أرسطو بان على الفرد أن يكون فاضلا لكي يكون سعيدا .. بها بعضا الصحة لان غير الفضلاء لديهم عادة مشاعر أقوى بالذنب والعار

0 من لديهم معتقدات دينية اسعد ممن ليس لديهم وخاصة كبار السن

0 يكون الناس اقرب للسعادة إذا ما توافر لهم قدر من تقدير الذات .. والإيمان بان لديهم القدرة والامكانات على مواجهة الأحداث والتأثير فيها .. وتتدعم هذه الثقة بالعلاقة الطيبة مع الآخرين والاستخدام الناجح الممتع للمهارات سواء في العمل أو في وقت الفراغ

0 يكون الناس اسعد عندما يمارسون أنشطة موجهة نحو أهداف محددة .. والأهداف لا ينبغي أن تكون بعيدة المنال .. وكذلك ينبغي أن تكون تعاونية

0 خلاصة :

0 يمكن زيادة السعادة للنفس والآخرين بان نسلك لتحقيقها السبيل الصحيح :

1- يمكن تحقيق زيادة قصيرة المدى في السعادة من خلال التفكير في الأحداث السارة ومشاهدة الأفلام الكوميدية والاستماع إلى موسيقى مرحة

2- يمكن زيادة معدلات حدوث الأنشطة السارة الايجابية من خلال الأحداث التي تكون أكثر جلبا للسرور وزيادة معدلات حدوثها

3- العلاقات الجيدة من أهم مصادر السعادة .. كان يكون الفرد متزوجا زيجة سعيدة وله أصدقاء وعلاقته جيدة أفراد الأسرة والأقارب وزملاء العمل والجيران وربما يحتاج لتحقيق ذلك إلى تدريب على المهارات الاجتماعية

4- أن يصبح المرء غنيا له تأثير ضئيل على السعادة ويعود هذا التأثير أساسا إلى عقد مقارنات مع الآخرين أو مع ما كان عليه الفرد في الماضي

5- يعتبر العمل ونشاط وقت الفراغ اللذان يحققان إشباعا هما المصدران الرئيسيان الآخران للسعادة إذ يوفران شعورا بالرضا الذاتي من خلال الاستخدام الناجح للمهارات .. وإنجاز الأعمال .. وصحبة الآخرين وتنظيم الوقت .. وشعور بالهوية والانتماء .. وتؤدى الرياضة إلى تحسين الصحة البدنية والصحة النفسية وكذلك الأجازات والأشكال الأخرى من الاسترخاء

6- يمكن تخفيف الاكتئاب بطرق علاجية مختلفة مصممة لتجعل الناس ينظرون نظرة أكثر ايجابية للأمور ويقيمون أنفسهم على نحو أفضل دون انتقاص .. ويحددون لأنفسهم أهدافا أكثر قابلية للتحقيق .. ويتخلون عن المعتقدات الخاطئة التي تؤدى إلى التعاسة .. وقد وجد أن هذه الطرق مفيدة أيضا للأسوياء

0 ويمكن تحقيق الشخصية والإحساس بالمعنى والهدف في الحياة ..إما من خلال العلاج .. أو العمل الناجح .. أو نشاط وقت الفراغ ..أو مع الآخرين

7- هناك برنامج للتدريب على زيادة السعادة يرتكز على تحسين الاستبصار والفهم ويقوم على الآتي :

1- دروس تهدف إلى إعطاء استبصار بأسباب السعادة

2- تخفيض الطموحات

3- تنمية التفكير الايجابي المتفائل

4 – زيادة التوجه للحاضر

5 – تصحيح المعتقدات الخاطئة

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ,,

محاولة لرؤية اخرى ...


*من يدرى فريما عدنا لنفتح الكتاب من جديد
*ربما يعتقد انه تائه او ضائع.. احيانا يبحث عن يد امه
*احاول .اجرب . يضيع الوقت لكن لاتراجع .
*كنت انتوى الحديث عن عناصر الصورة. فقط ينطق الصمت
*الماضى فيه شباب وفتوة وجنون لكن التراجع يحتاج لقوة .
*اصدقاء لم يصدقوا واصدقاء حاولوا وبقت الساحة فارغة الا
من بعض ذكريات .
*فى عالمى حكايات كثيرة لكن الركون للتأمل ضيع
سذاجتى الحلوة.. آآآآآآآآآآآآآه من المنطق .

*يكفينا اليوم ان اعترف بان محطاتى فوق محيط دائرة ابدأ
وانتهى لابدأ وانتهى دون بلوغ رؤية . اى رؤية !


يااااااااااااااااااااه

يااااااااااااااااااااه
هذا الذى تعبت منه الحياة .. هذا الذى يعارضها فتعرض عنه ساخرة ..ومن دون ان يدرى يهجرها لكنها تستدير وتفتح له احضانها .عجبى ...الزميل الجميل والصديق الحبيب عبدالكريم المالكى من العراق الحبيبة وعبدالكريم حشيش فى مشهد داخل جريدة الراية القطرية

الاحبة

الاحبة
رباب ورحمة ومحمد وعبدالكريم فى مشهد تخيلى

رباب

رباب
رباب ووالدتها الدكتورة سلوى واخيها محمد فى رمضان باحد فنادق الدوحة

كتاب : المنقذ من الضلال

المؤلف : أبو حامد الغزالي


بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى، صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة.أما بعد: فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثّ إليك غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرقِ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاعٍ الاستبصار، وما استفدته، أولاً من علم الكلام، وما اجتويته، ثانياً من طرق أهل التعليم، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته، ثالثاً من طرق التفلسف وما ارتخيته، آخراً من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، ومستوفقاً منه، وملتجئاً إليه: اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، " وكل حزبٍ بما لديهم فرحون " . وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه، وهوا لصادق المصدوق حيث قال: " ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة " فقد كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجّم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني، من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي، وحتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت: صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصُر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " كل مولودٍ يولدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهودانهِ، وينُصرانهِ، ويُمجِّسَانِهِ " فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي: أولاً إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارناً لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلاً - من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يروث ذلك شكاً وإنكاراً، فإني إذا علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.مدخل السفسطة وجحد العلومثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلاً من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات، والضروريات، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولاً لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لا غدر فيه، ولا غائلة له.فأقبلت بجد بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذ يتسع فيها ويقول: من أين الثقة بالحواس؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل بالتدريج ذرة، ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب، فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. هذا، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً.فقالت الحواس: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقاً بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكماً آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة!! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلاً وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً، واستقراراً، ولا تشكل في تلك الحالة فيها، وثم تستيقظ فتعلم: أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل. فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالإضافة إليها! فإذا وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها.ولعل تلك الحالة، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم أحوالاً لا توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي الموت، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهُوا " . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك: " فكشفنا عنكَ غطاءكَ فبصرُكَ اليومَ حديدٌ " .فلما خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية. فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل. فأعضل الداء، ودام قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، على " الشرح " ومعناه في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديهُ يشرح صدرهُ للإسلام " قال: " هو نور يقذفهُ الله تعالى في القلبِ " .فقيل: وما علامته؟ قال: " التجافي عن دار الغُرُورِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود " .وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه:" إن الله تعالى خلق الخلقَ في ظُلْمةٍ، ثم رشَّ عليهمْ من نُورهِ " فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلّم: " إن لربكم في أيامِ دهركم نفحاتٌ، ألا فتعرضُوا لها " والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب نفر واختفى، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب.أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: 1 - المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.2 - الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.3 - الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.4 - الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة. فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق. مبتدئاً بعلم الكلام. ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية.علم الكلام مقصوده وحاصلهثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصَّلته، وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علماً وافياً بمقصوده، غير واف بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق. على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها.فأنشأ الله تعالى، طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها، إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً أصلاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً.نعم لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق. ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات، والغرض الآن: حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر.الفلسفةأحاصيلها، ما يذم منها وما لا يذم، وما يكفر فيه قائلة، وما لا يكفر، وما يبدع فيه وما لا يبدع، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم. ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقاً. ولم أر أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي، فضلاً عمن يدعي دقائق العلم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى في عماية.فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد. فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه.فاسمع الآن حكايته، وحكاية حاصل علومهم، فإني رأيتهم أصنافاً، ورأيت علومهم أقساماً وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوت عظيم، في البعد عن الحق والقرب منه.أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهماعلم أنهم - على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون، والإلهيون.الصنف الأولالدهريونوهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه، وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبداً وهؤلاء هم الزنادقة.والصنف الثانيالطبيعيونوهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات. فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى، وبدائع حكمته، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها، ولا يطالع التشريح، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان، لا سيما بنية الإنسان..! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضاً، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم، كما زعموا، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، والحشر والنشر، والقيامة، والحساب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام، وانهمكوا إنهماك الأنعام. وهؤلاء أيضاً زنادقة، لأن أصل الإيمان هو: الإيمان بالله واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله وصفاته،.والصنف الثالثالإلهيونوهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق، وهذَّب لهم العلوم، وحرر لهم ما لم يكن محرراً من قبل، وأنضج لهم ما كان فجاً من علومهم، وهم بجملتهم، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية، والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم " وكفى الله المؤمنين القتال " بتقاتلهم. ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين، رداً لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم، وبدعتهم، بقايا لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين. كابن سينا والفارابي وأمثالهما. على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط، يتشوش فيه قلب المطالع، حتى لا يفهم، وما لا يُفهم كيف يرد أو يقبل؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام: 1 - قسم يجب التفكير به.2 - وقسم يجب التبديع به.3 - وقسم لا يجب إنكاره أصلاً، فلنفصله.أقسام علومهمأعلم: أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخلقية.أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفياً وإثباتاًِ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان: الأولى: من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه.وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقاً في كل صناعة، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقاً في الطب، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلاً بالنحو، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه. فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحد بالتقليد، ولم يقع منه موقع القبول، بل تحمله غلبة الهوى، والشهوة الباطلة، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها. فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى.الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم. فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حباً وللإسلام بغضاً، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. وقوله صلى الله عليه وسلّم: " إن الشمس والقمر آيتان من آياتِ الله تعالى لا ينخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة " .وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر، واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص، أما قوله عليه السلام: " لكن الله إذا تجلى لشيءْ خضع لهُ " فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلاً. فهذا حكم الرياضيات وآفتها. وأما المنطقيات: فلا يتعلق شيء منها بالدين نفياً وإثباتاً، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمات البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه. وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر، بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات، ومثال كلامهم فيها قولهم: إذا ثبت أن كل " أ " " ب " لزم أن بعض " ب " " أ " " ي " إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان، ويعبرون عن هذه بأنه الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية. وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر؟ فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الإنكار، نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطاً يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل، وربما ينظر في المنطق أيضاً من يستحسنه ويراه واضحاً، فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين، فيستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية. فهذه الآفة أيضاً متطرقة إليه.3 - وأما علم الطبيعيات: فهو بحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة: كالماء والهواء والتراب والنار، وعن الأجسام المركبة، كالحيوان والنبات والمعادن، وعن أسباب تغيرها وامتزاجها، وكذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان، وأعضائهم الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجه وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضاً إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة، وذكرناها في كتاب تهافت الفلاسفة وما عداها مما يجب المخالفة فيها، فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها، وأصل جملتها: أن تعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها. والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته.4 - وأما الإلهيات: ففيها أكثر أغاليطهم، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس فيها من مذاهب الإسلاميين، على ما نقله الفارابي وابن سينا، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلاً، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت أما المسائل الثلاث، فقد خالفوا فيها كافة المسلمين وذلك في قولهم: 1 - إن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية.ولقد صدقوا في إثبات الروحانية: فإنها كائنة أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.2 - ومن ذلك قولهم: " إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات " ، فهو أيضاً كفر صريح، بل الحق أنه: " لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السمواتِ ولا في الأرضِ " .3 - ومن ذلك قولهم: يقدم العالم وأزليته، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل. وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم: إنه عليم بالذات، ولا يعلم زائد على الذات وما يجري مجراه، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك.وقد ذكرنا في كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ما يتبين به فساد رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه.5 - وأما السياسيات: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية، والإيالة السلطانية، وإنما أخذوه من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء عليهم السلام.6 - وأما الخلقية: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها، وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبها، وآفات أعمالها ما صرحوا بها، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلاً بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتأهلين لا يخلي الله سبحانه العالم عنهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركاتهم تنزل الرحمة على أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال صلى الله عليه وسلّم: " بهم تمطرون، وبهم ترزقون " ومنهم كان أصحاب الكهف وكانوا في سالف الأزمنة، على ما نطق به القرآن، فتولد من مزجهم كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان: آفة في حق القابل، وآفة في حق الراد.1 - أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة: إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدوناً في كتبهم، وممزوجاً بباطلهم، ينبغي أن يهجر ولا يذكر بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولاً منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل، لأن قائله مبطل، كالذي يسمع من النصراني قوله: " لا إله إلا الله، عيسى رسول الله " فينكره ويقول: " هذا كلام النصارى " ، ولا يتوقف ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن لم يكن كافراً إلا باعتبار إنكاره، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضاً حقاً عنده. وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب " رضي الله عنه، حيث قال: لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله، والعارف العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول: فإن كان حقاً قبله سواء كان قائله مبطلاً أو محقاً، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال، عالماً بأن معدن الذهب الرغام. ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج. مهما كان واثقاً ببصيرته، ويمنع - من ساحل البحر - الأخرقُ، دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع. ولعمري! لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال العقل، وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل والهدى عن الضلال وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلال ما أمكن، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلاً، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها. ولقد اعترض - على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين - طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية، وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولاً في نفسه، مؤيداً بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلم ينبغي أن يهجر ويترك؟! فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل، للزمنا أن نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلّم وحكايات السلف، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب إخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهداً بها ومستدرجاً قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطل، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم. وأقل درجات العالم: أن يتميز عن العامي الغمر.فلا يعاف العسل، وإن وجده في محجمة الحجَّام، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع عنه مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار، وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق. فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم، قبلوه وإن كان باطلاً، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقاً، فأبداً يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال! هذه آفة الرد.2 - والآفة الثانية آفة القبول: فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسن اعتقاده فيها، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظنه مما رآه استحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل. ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيَّات، يجب صون الأسماع عن مختلط الكلمات، وكما يجب على المعزّم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل، إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله، بل يجب عليه أن يحذّره منه، بأن يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله، وكما أن المعزّم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بني الترياق والسم، واستخرج منها الترياق وأبطل السم، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه. وكذا الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في كيس القلاب، وأخرج منه الإبريز الخالص، وطرح الزيف والبهرج، فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه، فكذلك العالم. وكما أن المحتاج إلى الترياق، إذا اشمأزت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم وجب تعريفه، والفقير المضطر إلى المال، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض، هو سبب حرمانه الفائدة التي هي مطلبه، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفاً، كما لا يجعل الزيف جيداً، فكذلك قرب الجوار بين الحق الباطل، لا يجعل الحق باطلاً، كما لا يجعل الباطل حقاً، فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها.مذهب التعليم وغائلتهثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضاً غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات، وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعنّ لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطّلع على ما في كنانتهم. ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم. فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثاً من خارج، ضميمة للباعث من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكذلك قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر، لا على المنهاج المعهود من سلفهم. فجمعت تلك الكلمات، ورتبتها ترتيباً محكماً مقارناً للتحقيق، واستوفيت الجواب عنها، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم، فقال: هذا سعي لهم، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها، وترتيبك إياها. وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض فقال أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فيم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنه؟ وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم، ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها، ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلي، بعد أن كان قد التحق بهم، وانتحل مذهبهم، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم، ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم، فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم، فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها.والمقصود، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان.والحاصل: أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم، ولولا سوء نصرة الصديق الجاهل، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة، ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم، وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به، فجاحدوهم في دعواهم: الحاجة إلى التعليم والمعلم، وفي دعواهم أنه: لا يصلح كل معلم، بل لا بد من معلم معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم والمعلم، وضعف قول المنكرين في مقابلته، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم وضعف مذهب المخالفين، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله بطريقه، بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصوماً، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلّم فإذا قالوا: هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب فإذا قالوا: معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول: ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى: " اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكمْ نعمتي " ، وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا يضر غيبته.فبقي قولهم: كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبالنص ولم تسمعوه، أم بالإجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليمن. أن نحكم بالنص عند وجود النص، وبالإجتهاد عند عدمه. بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن يحكم بالنص، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية، ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات، وفات الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة، فيفوت وقت الصلاة. فإذن، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال: إن المخطيء في الاجتهاد له أجرٌ واحدٌ وللمُصيبِ أجران فكذلك في جميع المجتهدات، وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير، فربما يظنه فقيراً باجتهاده وهو غني باطناً بإخفائه ماله، فلا يكون مؤاخذاً به وإن أخطأ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه. فإن قال: ظن مخالفهِ كظنه فأقول: هو مأمور باتباع ظن نفسه، كالمجتهد في القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال: فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله أم غيرهما؟ فأقول: فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة الأفضل الأعلم بدلائل القبلة، فيتبع ذلك الاجتهاد، فكذلك في المذاهب فرد الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياءُ والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:" أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " . أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود، وربما أخطأوا فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فيكف يطمع في ذلك؟. ولهم ها هنا سؤالان: أحدهما قولهم: هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد، إذ المخطئ فيه غير معذور، فكيف السبيل إليه؟ فأقول: قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة، وما وراء ذلك من التفصيل، والمتنازع فيه، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم. وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم " فإن قال: خصومك يخالفونك في ذلك الميزان فأقول: ولا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه، ولا يخالف فيه أهل المنطق، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات، وبه يعرف الحق في الكلاميات. فإن قال: فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق؟، فأقول: لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم، وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعاً لو أصغوا ولا يصغون إليه بأجمعهم! بل قد أصغى إلي طائفة، فرفعت الخلاف بينهم.وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم، فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم لم يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهراً، فلم لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد، وقطع الطرق، والإغارة على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف من الخلاف ما لم يكن بمثله عهد. فإن قال: ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة، والاختلافات المتقابلة، لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك، ولا فرق بينك وبينهم وهذا هو سؤالهم الثاني، فأقول: وهذا أولاً ينقلب عليك، فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير: بما صرت أولى من مخالفيك، وأكثر أهل العلم يخالفونك؟ فليت شعري! بماذا تجيب؟ أتجيب بأن تقول: إمامي منصوص عليه، فمن يصدقك في دعوى النص، وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص، فإن كان متحيراً في أصل النبوة، فقال: هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى عليه السلام فيقول: الدليل على صدقي أني أحيي أباك، فأحياه، فناطقني بأنه محق، فبماذا أعلم صدقه؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى عليه السلام بهذه المعجزة، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي، والنظر العقلي لا يوثق به عندك، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده. وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفه! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي ينكرها، وخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلاباً عظيماً لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جواباً لم يقدروا عليه. وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم، فلم يشتغلوا بالقلب بل بالجواب. وذلك مما يطول فيه الكلام، وما لا يسبق سريعاً إلى الإفهام، فلا يصلح للإفحام. فإن قال قائل: فهذا هو القلب، فهل عنه جواب؟ فأقول: نعم! جوابه أن المتحير لو قال: أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها، يقال له: أنت كمريض، يقول: أنا مريض ولا يعين مرضه ويطلب علاجه فيقال له: ليس في الوجود علاج للمرض المطلق، بل لمرض معين. من صداع أو إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه، فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة، التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق، ويفهم منه أيضاً صحة الوزن، كما يفهم متعلم علم الحساب، نفس الحساب، وكون المحاسب المعلم عالماً بالحساب وصادقاً فيه. وقد أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة، فليتأمل.وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري أولاً، وفي كتاب حجة الحق ثانياً، وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد، وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلاً ثالثاً، وهو جواب كلام عرض علي بهمدان، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعاً، وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس، وفي كتاب القسطاس المستقيم خامساً، وهو كتاب مستقل مقصوده أن هؤلاء، ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها، فضلاً عن القيام بحلّها! فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، وقالوا: إنه لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به، ولم يتعلموا منه شيئاً أصلاً، كالمتضمخ بالنجاسة، يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله، وبقي متضمخاً بالخبائث. ومنهم من ادعى شيئاً من علمهم، فكان حاصل ما ذكره شيئاً من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل، ومذهبه أرك مذهب الفلسفة، وقد رد عليه أرسطاطاليس، بل استدرك كلامه واسترذله، وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة.فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغيث، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضاً جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام، وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال: هات علمه وأفدنا من تعليمه! وقف وقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه، فإنما غرضي هذا القدر فقط. إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات، بل عجز عن فهمه، فضلاً عن جوابه. فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم نفضنا اليد عنهم أيضاً.طرق الصوفيةثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنا تتم بعلم وعمل، وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغيرهم من المشايخ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع. فظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن تكون صحيحاً وشبعان؟ وبين أن تعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن تكون سكران! بل السكران لا يعرف حد السكر، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء. الطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها، وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن تكون حالك الزهد، وعزوف النفس عن الدنيا!.فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها. وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله، قطع علاقة القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق. ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة.ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل! فإن لم تستعد الآن للآخرة، فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار! ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة.فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجبي المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذراً أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبداً. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب ديني، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم. ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، وترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، ولكونه وقفاً على المسلمين. فلم أر في العالم مالاً يأخذه العالم لعياله أصلح منه. ثم دخلت الشام، وأقمت به قريباً من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة، والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من كتب الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، وثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة، وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت في داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه، وفسرت إلى الحجاز، ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، فآثرت العزلة به أيضاً حرصاً على الخلوة، وتصفية القلب للذكر.وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعيشة، تغير في وجه المراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أقوات متفرقة. لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها.ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به. إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة، طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟!وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها. وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه.وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب، يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ. وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب المقصد الأسنى. بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:وكان ما كان مما لستُ أذكرهُ ... فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئاً بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم، وكرامات الأولياء، هي على التحقيق، بدايات الأنبياء. وكان ذلك أول حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل إلى جبل حراء حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: إن محمداً عشق ربه.وهذه الحالة، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها. فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع، وإن أكثر الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقيناً. ومن جالسهم، استفاد منهم هذا الإيمان فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقيناً بشواهد البرهان، على ما ذكرناه في كتاب عجائب القلب من كتب إحياء علوم الدين. والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان.فهذه ثلاث درجات: " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٌ " . ووراء هؤلاء قوم جهال، هم المنكرون لأصل ذلك، المتعجبون من هذا الكلام، ويستمعون ويسخرون، ويقولون: العجب! إنهم كيف يهذون! وفهيم قال الله تعالى: " ومنهم من يسمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم فأصمهُم وأعمى أبصارهم " .ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم، حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها.حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليهااعلم: أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة، خلق خالياً ساذجاً لا خير معه من عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما قال: " وما يعلم جنودُ ربك إلا هو " وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني بالعوالم، أجناس الموجودات.فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناساً من الموجودات: كالحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين، والخشونة، وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعاً، بل هلي كالمعدوم في حس اللمس.ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال، وهو أوسع عالم المحسوسات. ثم ينفتح له السمع، فيسمع الأصوات والنغمات، ثم يخلق له الذوق. وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطور وجوده. فيدرك فيه أموراً زائدة على عالم المحسوسات، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس. ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز. من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، وحكي له ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقربها. وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب، إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشياً عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.والشك في النبوة، وإما أن يقع في مكانها، وأو في وجودها ووقوعها، وأو في حصولها لشخص معين.ودليل إمكانها ووجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان، أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها. وما ذكرنا فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك نموذجاً منها، وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلاً.وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم. وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير. بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق صلى الله عليه وسلم في قوله: " من عمل بما علم ورثهُ الله علم ما لم يعلم " ويكف صدق في قوله: " من أعان ظالماً سلطهُ الله عليهِ " وكيف صدق في قوله: " من اصبح وهُمُومُهُ همٌّ واحدٌ الله تعالى هُمُومَ الدنيا والآخرةِ " .فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعباناً، وشق القمر، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه " يُضِلُّ من يَشَاءُ ويَهدي من يشاءُ " .وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي.وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من حقيقة النبوة، كاف في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه الحاجة إليه.سبب نشر العلم بعد الإعراض عنهثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريباً من عشر سنين، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني ومرة بالقبول الإيماني: أن للإنسان بدناً وقلباً، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو " إلا من أتى الله بقلب سليم " وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: في قلوبهم مرضٌ " وأن الجهل بالله سم مهلك، وأن معصية الله بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، ولا يخلو عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولاً هي أركانها وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات.وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل وتصرفه، إن عرفنا ذلك، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين النبوة، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى العقائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه.فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة والعزلة، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في العمل بما شرحته النبوة، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق، فنظرت إلى أسباب فتور الخلق، وضعف إيمانهم، فإذا هي أربعة: 1 - سبب من الخائضين في علم الفلسفة.2 - وسبب من الخائضين في طريق التصوف.3 - وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم.4 - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس. فإني تتبعت مدة آحاد الخلق، أسألُ من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له: مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا، فهذه حماقة، فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن، فأنت كافر، فدبر نفسك في طلب الإيمان، وانظر سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطناً، وهو سبب جرأتك ظاهراً، وإن كنت لا تصرح به تجملاً بالإيمان وتشرفاً بذكر الشرع.فقائل يقول: إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى. وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جراً إلى أمثاله. وقائل ثان: يدعي علم التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغاً ترقى عن الحاجة إلى العبادة!.وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف.وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل، والطريق متعسرة والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي. والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له، فكيف أدع اليقين بالشك؟ وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليداً، ولكنني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير، مستغن فيها عن التقليد!.هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم، وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي. وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام.وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعاً من الفسق والفجور، وإذا قيل له: إن كانت غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: لرياضة الجسد، ولعادة أهل البلد، وحفظ المال والولد. وربما قال: الشريعة صحيحة، والنبوة حق فيقال: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها: إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب تلهياً بل تداوياً وتشافياً فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان، والتزام العبادات، أن استثنى شرب الخمرة لغرض التشافي، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم، وقد انخدع بهم جماعة، وزادهم انخداعاً ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاهدة علم الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل.فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان إفضاح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء، ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، وأعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء. وانقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك! ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة الخلق، عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنَّى تقاومهم فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين قاهر.فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة. فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه، لا بتحريك من خارج. فأمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة، وبلغ الإلزام حداً كان ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله سبحانه وتعالى يقول:بسم الله الرحمن الرحيم " ألم. أحسب الناسُ أن يتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذينَ من قبلهم " ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه " ولقد كذبت رسلٌ من قبلكَ فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من نبأ المرسلين " ويقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم " يس والقرآن الحكيم.. إلى قوله إنما تنذرُ من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيبِ " فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة، والخروج من الزاوية، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة، وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة فاستحكم الرجاء. وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مئة، ويسر الله الحركة إلى نيسابور، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سن تسع وتسعين وأربع مئة، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة، كما لم يكن الخروج من بغداد، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلاً بالبال، والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن " وأنا أعلم أني، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي. أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه.هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري، ولست أدري أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأني لم أتحرك، ولكنه حركني، وإني لم أعمل، لكنه استعملني، فأساله أن يصلحني أولاً، ثم يصلح بي، ويهدني ثم يهدي بي وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان بذلك طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم. أما الذين ادعوا الحيرة من أهل التعليم فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا نطول بذكره في هذه الرسالة.وأما ما توهمه أهل الإباحة، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في كيمياء السعادة.وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة، حتى أنكر أصل النبوة، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة، بدليل وجود عمل خواص الأدوية والنجوم وغيرهما. وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا الدليل من خواص الطب والنجوم، لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلاً من نفس علمه برهان النبوة.وأما من أثبت النبوة بلسانه، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على التحقيق كافر بالنبوة، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص، ويقتضي طالعه أن يكون متبوعاً، وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات، فإن لم يجوّز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على وجوده. وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هنا أموراً تسمى خواص، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلاً، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها. فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته والذي يدعي علم الطبيعة، يزعم أنه ما يبرد من المركبات، إنما يبرد بعنصري الماء والتراب فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالاً من الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد. فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه، لقال: هذا محال، والدليل على استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة، فنقدر الكل ماء وتراباً، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهاناً! وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، ومبني على هذا الجنس! فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وربما لم يألفوه قدروا استحالته، ولو لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة، وادعى مدعٍ، أنه عند ركود الحواس، يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول. ولو قيل لوا حد: هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء، هو بمقدار حبة يوضع في بلدة، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئاً من البلدة وما فيها، ولا يبقى هو نفسه؟ لقال: هذا محال وهو من الخرافات! وهذه حالة النار، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها. وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل. فنقول للطبيعي: قد اضطررت أن تقول في الأفيون خاصية في التبريد، ليست على قياس المعقول بالطبيعة. فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص، في مداواة القلوب وتصفيتها، ما لا يدرك بالحكمة العقلية، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة؟ قد اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم، وهي من الخواص العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل: يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها. وتضعها تحت قدميها، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك وأوردوه في عجائب الخواص وهو شكل فيه تسعة بيوت، ويرقم فيها رقوماً مخصوصة، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو على التأريب.ب ط د 2 9 4 ز ه ج 7 5 3 و ا ح 6 1 8 فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين، والظهر بأربع، والمغرب بثلاث، وهو لخواص غير معلومة بنظر الحكمة وسببها اختلاف هذه الأوقات. وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة. والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لعقلوا اختلاف هذه الأوقات، فنقول: أليس يختلف الحكم في الطالع، بأن تكون الشمس في وسط السماء، أو في الطالع أو في الغارب، حتى يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار والآجال، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء، ولا بين المغرب وبين كون الشمس في الغارب، فهل لتصديق ذلك سبب، وإلا أن ذلك يسمعه بعبارة منجم ، لعله جرب كذبه مئة مرة. ولا يزال يعاود تصديقه، حتى لو قال المنجم له: إذا كانت الشمس في وسط السماء ونظر إليها الكوكب الفلاني، والطالع هو البرج الفلاني، فلبست ثوباً جديداً في ذلك الوقت قتلت في ذلك الثوب! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت، وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم وقد جرب كذبه مرات!.فليت شعري! من يتسع عقله لقبول هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص - معرفتها لبعض الأنبياء - فيكف ينكر مثل ذلك، فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات، لم يعرف قط بالكذب! ولم لا يتسع لإمكانه؟ فإن أنكر فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد الركعات، ورمي الجمار وعدد أركان الحج، وسائر تعبدات الشرع، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقاً أصلاً. فإن قال: وقد جربت شيئاً من النجوم وشيئاً من الطب، فوجدت بعضه صادقاً، فانقدح في نفسي تصديقه وسقط من قلبي استبعاده ونفرته، وهذا لم أجربه به، فبم أعلم وجوده وتحقيقه؟ وإن أقررت بإمكانه؟ فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك.على أني أقول: وإن لم تجربه، فيقضي عقلك بوجوب التصديق والإتباع قطعاً. فإنا لو فرضنا رجلاً بلغ وعقل ولم يجرب المرض، فمرض، وله والد مشفق حاذق بالطب، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل، فعجن له والده دواء، فقال: هذا يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك. فماذا يقتضيه عقله، وإن كان الدواء مراً كريه المذاق، أن يتناول أن يكذب؟ ويقول: أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء، ولم أجربه! فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك! وكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك! فإن قلت: فيم أعرف شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بهذا الطب؟ فأقول: وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمراً محسوساً؟ بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علماً ضرورياً لا تتمارى فيه.ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري، بأن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب الغيب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان، فظهر ذلك كما ذكره، علم علماً ضرورياً أنه بلغ الطور الذي وراء العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، والأمور التي لا يدركها العقل. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم.فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار، تعرف ذلك بالعيان. وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.وأما السبب الرابع - وهو ضعف الإيمان بسبب سيرة العلماء فيداوي هذا المرض بثلاثة أمور: أحدهما: أن نقول: إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ومعرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر، ولحم الخنزير والربا، بل بتحريم الغيبة والكذب والنميمة، وأنت تعرف ذلك وتفعله، لا لعدم إيمانك بأنه معصية، بل لشهوتك الغالبة عليك، فشهوته كشهوتك، وقد غلبته كما غلبتك، فعلمه بمسائل وراء هذا يتميز به عنك، لا يناسب زيادة زجر عن هذا المحظور المعين.وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد، وإن زجره الطبيب عنه! ولا يدل ذلك على أنه ضار أو على الإيمان بالطب غير صحيح، فهذا محمل هفوات العلماء، والثاني أن يقال للعامي: ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخراً لنفسه في الآخرة، ويظن أن علمه ينجيه، ويكون شفيعاً له حتى يتساهل معه في أعماله، لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه، فهو يجوز أن يكون زيادة درجة له وهو ممكن. فهو وإن ترك العمل، يدلي بالعلم. وأما أنت أيها العامي! إذا نظرت إليه وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل، فتهلك بسوء عملك ولا شفيع لك.الثالث: هو الحقيقة، أن العالم الحقيقي لا يقارف معصية إلا على سبيل الهفوة، ولا يكون مصراً على المعاصي أصلاً. إذ العلم الحقيقي ما يعرف أن المعصية سهم مهلك، وأن الآخرة خير من الدنيا. ومن عرف ذلك، لا يبيع الخير بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر الناس. فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى. وأما العلم الحقيقي، فيزيد صاحبه خشية وخوفاً ورجاء، وذلك يحول بينه وبني المعاصي إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات وذلك لا يدل على ضعف الإيمان. فالمؤمن مفتن تواب وهو بعيد عن الإصرار والإكباب.هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما، لا بطريقه.نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه، وأرشده إلى الحق وهداه، وألهمه ذكره حتى لا ينساه، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه، واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إيمي تقرر العودة لطليقها من جديد

إيمي تقرر العودة لطليقها من جديد
خرجت المغنية البريطانية الشهيرة إيمي واينهاوس من المستشفى مع زوجها السابق بلاك فيلدر سيفيل، حيث تعد العدة لينتقل للعيش معها في منزلها الجديد. وذكرت صحيفة "صن" البريطانية الشعبية أن واينهاوس -26 عاما- صاحبة ألبوم "باك تو بلاك" كانت تمسك بيد فيلدرسيفيل وخرجا من مستشفى حيث كانت تتلقى العلاج من مشكلات في ثديها الاصطناعي.

رمضان فى الدوحة

رمضان فى الدوحة
مشهد رمضاني بعد افطار رمضانى للراية فى احد المطاعم الشهيرة بالدوحة وفى الصورة الزملاء الاستاذة طه خليفة سكرتير تحرير الراية وخليفة السيد المشرف العام على المحليات واسامه سعد الدين سكرتير تحرير قسم المحليات وعبدالكريم حشيش محرر بالمحليات 2001

كليوباترا

كليوباترا
قعت الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي على عقد لأداء دور كليوباترا في فيلم جديد. ونقل موقع يو أس مغازين عن دار نشر ليتل براون الذي يملك حقوق الكتاب الذي يستند اليه الفيلم تأكيده انضمام جولي الى العمل الجديد.وكان المنتج سكوت رودين قد حصل على حقوق تصوير الفيلم المستند الى كتاب ستايسي شيف بعنوان ملكة النيل كليوباترا: قصة حياة. وقال المسؤول عن دار النشر مايكل بيتش تعكس أنجلينا جولي الجمال والقوة، وهي بالتحديد الصفات التي تجدها ستايسي شيف في السيرة الذاتية التي أعدتها عن أكثر الحاكمات اثارة في التاريخ. وكانت نجمة الحقبة الذهبية في هوليوود أليزيبيث تايلر قد أدت دور كليوباترا في فيلم كلاسيكي من العام 1963 فيما أدى الممثل البريطاني ريتشارد بورتن الذي كان حبيبها الفعلي دور القائد الروماني مارك أنطوني. ولم يتحدد بعد من سيؤدي دور مارك انطوني أمام جولي.

المقهى

المقهى
حمودة برفقة امه على قهوة الصيادين بكورنيش الدوحة

كيدمان وبياض الثلج

كيدمان وبياض الثلج
الجميلة نيكول كيدمان خلال مشاركتها فى حفل توزيع جوائز الموسيقى الريفية الذي أقيم الأحد في مدينة لاس فيغاس الأمريكية.

اماه

اماه
حمودة فى افطار رمضاني باحد فنادق قطر

من بعيد

من بعيد
صورة على ضفاف الماء

الــ رحومة

الــ رحومة
رحمة ولحظات تأمل جميلة

فى الطريق

فى الطريق
ابن اخى الحاج محمد محمد عبدالكريم حشيش والصديق الجميل مصطفى جلهوم خلال انطلاقنا من البلد الى ابن عمى الدكتور عبدالعظيم بالاسماعيلة

الذكريات

الذكريات
الشاعر الكبير الاستاذ الحبيب حسن توفيق فى موقف جميل مع صديقه الصغير محمد عبدالكريم حشيش حيث كانا ولايزلان اصدقاء والشاعرالمحب لايزال يسأل عن صديقه الصغير ويتواصل معه تليفونيا من القاهرة والصورة واللقاء بمكتب الشاعر بجريدة الراية بالدوحة وهو المكتب الذى كان يمثل رواقا جميلا للفكر

حيرة الطيور

حيرة الطيور
ليس لهذه الطيور علاقة بما جرى ويجرى فى خليج المكسيك وهم لايفهمون سببا لهذا النفط الذى راح يطردهم من المياه التى اعتادوا عليها .هناك عند جزيرة جراند تلك الجزيرة الصغيرة فى خليج باراتاريا وبالطبع تحاول الهيئات البيئية انقاذها من تلك الكارثة التى حلت ولاتزال مقيمة فى مناطقهم .نقصد الطيور البرية البريئة .

من مدونة الفلكى احمد شاهين .....

لاول مرة على شبكة الانترنت : السحر اليهودى( طرقه – ادواته – خطوات العمل )

كلنا يعلم أن العلوم الروحانية العبرية من بين أقوى الروحانيات في العالم، و لا جدال في هذا الموضوع، فكلنا يعلم ذلك و ليس لنا فيها أدنى شك؛ لكن السؤال المطروح بلحة هو لمذا الروحانيات العبرية قوية ؟؟؟ من أين جاء اليهود بهذه القوة الخارقة للعادة ؟؟؟ كيف استطاعوا أن يطوروا علومهم الروحانية و يتقدمون بها نحوى الأمام، بينما لا نزال نحن العرب نعاني مشاكلا جعلت من بعض طلبة العلم يشكون في مصداقية الروحانيات و يقولون أنها مجرد خزعبلات ؟؟؟ الهدف من هذه الدراسة هو كشف جانب خفي أخر في الروحانيات العبرية، حتى نتمكن من فهم سر قوتها، لأنه من المستحيل أن تكون علومنا الروحانية ضعيفة، بالمقارنة مع اليهود أو غيرهم من الأجناس، هنا أؤكد للجميع أن نقص الفوائد أو ما أخفاه العلماء العرب لا علاقة له بهذا المشكل تماما، لأن العلوم الروحانية بصفة عامة تنبع من سراج واحد، و قوتها متساوية تماما، و لا وجود لعلوم روحانية أقوى من أخرى، لأن الأرواح المستعملة في هذا العلم هي نفس الأرواح المستعملة عند جميع الجناس، فلو قارنا بين الكابالا على سبيل المثال مع الروحانيات العربية لوجدنا تطابقا يصل إلى 80 بالمائة بينهما، بينما الفرق الموجود لا يتعدى طريقة العمل، و الوسائل المستعملة، و العزائم المنطوق بها، مع العلم أن العرب أخذوا من اليهود، فاستعملوا الأسماء المقدسة المذكورة عندهم، و نطقوا بها بدون أي تغيير أو تحويل و باللغة الأصلية لهذه الأسماء،و النتيجة كانت في المستوى مثل أهيا شراهيا أدوناي آل شداي، فهذه الأسماء أسماء عبرية، لكن لا تخلوا منها الروحانيات العربية، حين بدأت في دراسة سحر السانتيريا المنتشر في جزر الكاراييب، وجدت أن هذا السحر تفرع من سحر الفودوا المنتشر في أفريقيا و وجدت أن العبيد السود الذين أسرهم الأوربيون ابتداء من القرن الرابع عشر و باعوهم في أمريكا للعمل في حقول القطن هم من نقلوا هذا السحر إلى أمريكا الشمالية و الجنوبية خصوصا للمكسيك و البرازيل، فالسانتيريا خليط من الفودوا و الكابالا لأن احتكاك الأفارقة بالمسيحيين في أمريكا دفعهم إلى اختراع نوع جديد من السحر لا يقل قوة عن الكابالا التي يمارسها اليهود و النصارى، اليهود في حد ذاتهم أخذوا عن الفراعنة و طوروا علومهم الروحانية، بينما يعتبر الفراعنة من أقدم الحضارات التي كان السحر فيها شيء اعتيادي و مألوف، و جد منتشر في كل أنحاء مصر القديمة.
أعترف لكم أنني لم أتمكن من زيارة أمريكا اللاتينية حتى أبحث عن كتب في الروحانيات الممارسة هناك، لكن بعض أصدقائي في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية قدموا لي كل ما أحتاج إليه، من كتب و مخطوطات في هذا المجال، كما قمت بزيارة لساحل العاج و جمهورية الدايومي (البنين حاليا) و كم كانت دهشتي كبيرة حين وجدت أن الفودوا و السانتيريا تعتمد على سبعة أرواح سفلية يدور عليها مدار العمل، من بين هذه الأرواح شانغوا الذي يمثل الحكمة و العلم عند الأفارقة، هذه الأرواح السبعة شبيهة جدا بملوك الجن السبعة المستعملة في الروحانيات العربية، و ترتيبها مشابه تماما لترتيب و تأثير ملوك الجن السبعة المستعملة عندنا.
لا أريد هنا أن أبتعد عن صلب الموضوع، بل أريد فقط أن أوضح لجميع الأخوة و الأخوات أن العلوم الروحانية في الأصل تنبع من سراج واحد كما سبق و أن قلت، مثلها مثل الكتب السماوية الأربعة، التي و إن اختلفت في بعض الأمور، فهي متشابهة في غالبيتها لأنها نزلت من عند إله واحد لا شريك له.

إذا الاستنتاج الذي خرجنا به؛ أن الروحانيات بصفة عامة متشابهة و متساوية القوة، لكن السؤال الذي لم نجب عليه بعد، هو ما هو سر قوة الروحانيات العبرية بالرغم من تشابهها عم باقي الروحانيات الممارسة عبر ربوع العالم ؟؟؟

من هنا تبدأ هذه الدراسة المتواضعة فأقول؛ أولا علينا أن نعلم أن جميع الروحانيين اليهود أخذوا العلم من عند شيوخ متمكنين في هذا العلم، فالشيخ في حد ذاته تمدرس على يد شيخ أخر و هكذا، فهذه الطريقة شبيهة بسلسلة متواصلة تشد بعضها البعض و تمد بعضها البعض بقوة لا يستهان بها، عكسنا نحن العرب الذي شاع بيننا الروحانيين الجدد الذين لم يؤخذوا هذا العلم عن شيخ معين يكون بمثابة العين و المنبع الذي نستمد منه القوة الروحية و الخفية التي إن غابت في وقتنا هذا ففقدت روحانياتنا نقطة أساسية فيها، هي المدد الروحاني و السقوى الروحية التي تجعل من الميت حي، فنحن نعتمد بالدرجة الأولى على المخطوطات في عملنا فإن غابت هذه المخطوطات عجزنا عن تحقيق أي شيء. قال لي يوما أحد شيوخي عليهم رحمة الله، في أخر الزمان يظهر علماء التعمير و يختفي علماء التسخير، القصد هنا، أنه سيظهر روحانيين يستطيعون فعل كل شيء، يعرفون كيفية تعمير الجداول، و كيفية استخراج الملائكة، و كيفية حساب الهيئة الفلكية، لكن حين يوضعون في المحك فالنتيجة صفر، فهؤلاء علماء للتعمير، أي يحسنون فعل كل شيء بينما غاب عنهم الشرط الأساسي، و هو المقدرة على تسخير الروحانية ليكون عملهم كاملا، الجميع تقريبا في عصرنا هذا يشتكي من النتائج السلبية للفوائد التي يعملونها، أي إنهم ينفذون الفائدة حرف بحرف، و مع ذلك النتيجة غير موجودة تماما؛ هؤلاء مشكلتهم أنهم يضيعون وقتهم في الفراغ، لأنهم يعملون بعيدا عن الروحانيات الحقيقية، فهمهم الوحيد جمع المخطوطات حتى لا يتعبوا أنفسهم بالبحث، فمتى لم يرو الإجابة قالوا أنها (أي المخطوطات مزورة أو ناقصة) لكن النقص فيهم و ليس في الكتب و لا في المخطوطات لأنهم كما قال شيخي رحمه الله هم علماء تعمير و ليسوا علماء تسخير.
أتذكر مرة أنني سمعت بشيخ شاع أمره بين الناس و أصبح حسب قولهم حكيم الزمان، و حين سمحت لي الفرصة أن ألتقيه، و جدت أنه له تسعة بنات عوانس لم تتزوج منهن و لا واحدة، كما سألني أن أعطيه فائدة في الجلب و التهييج المجرب لأنه تعب من التجربة و لم يفلح في تحقيق شيء، فقلت له؛ يا عبد الله لو كنت حكيم الزمان كما تقول لبدأت ببناتك فزوجتهن، فأجابني أن الطبيب لا يداوي نفسه، بطبيعة الحال هذه شماعة علق عليها عجزه، و هذه المقولة كاذبة لا أساس لها من الصحة، هذا الشيخ الجليل المبجل الكريم المعظم شيخ تعمير و ليس شيخ تسخير و اللبيب من يفهم بالإشارة. إذا السر الأول أن اليهود يعتمدون بالدرجة الأولى على شيوخهم و هم بحق شيوخ تسخير و ليسوا شيوخ تعمير، فرحم الله عبدا عرف قدره، و لا عيب في أن نقول أن اليهود أقوى منا في هذا المجال، لكن هذا لا يعني أبدا أن شيوخ التسخير قد اندثروا من العالم العربي و الإسلامي بل هم باقين إلى يوم القيامة لكنهم قلائل للأسف الشديد.
السر الثاني الذي جعل من الروحانيات العبرية تحتل المرتبة الأولى من حيث القوة و سرعة الاستجابة؛ أن الحكماء اليهود يعملون بصفة جماعية، أي أنهم ينتمون كلهم إلى تجمعات من السحرة، على تشكيلة الطرق الصوفية المتواجدة في العالم الإسلامي، هذه التجمعات من السحرة، يقودها شيخ واحد إلى سبعة شيوخ، دائما بالعدد الفردي (أي شيخ أو ثلاثة أو خمسة أو سبعة) و لهم قانون داخلي صارم و مطبق على الجميع، حتى أن الانتماء لهذه التجمعات ليس مفتوحا لكل من هب و ذب، بل لا بد أن يقبل الشيخ المريد الجديد بعد أن يجربه و يمتحنه، كما أن الانتماء لهذه التجمعات غالبا ما يكون عن طريق الميراث أي أن الأشخاص الوحيدون الذين لهم الحق في الانخراط هم الذين كان أحد أبائهم أو أجدادهم منتمي للجماعة المراد الانخراط فيها لتعلم السحر، بهذه الطريقة تبقى العلوم الروحانية محفوظة بين السحرة دون غيرهم، و هي طريقة ذكية لحفظ الروحانيات من المتطفلين.

السر الثالث في قوة الروحانيات العبرية؛ يكمن في هذه التجمعات من السحرة، فهي سرا تعتمد على طريقة معينة في التعامل مع الأرواح العلوية و السفلية، هذه الطريقة هي تنشيط و استخدام الروح الجامعة أو باللغة الفرنسية ليغريغور.
لقد وصلنا الآن لبيت القصيد و لب موضوع اليوم، و كان علي أن أقدم شرحا مفصلا عن الموضوع قبل الخوض في هذا السر، لأن الموضوع ذا أهمية كبيرة جدا و لا يمكن المر عليه مرور الكرام، فأرجوا المعذرة عن الإطالة.
السؤال الآن هو: ما هو هذا الشيء و ما هو دوره و لما يستعمل بكثرة في الروحانيات العبرية ؟؟؟

تعريفه، و دوره، و كيفية تنشيطه و العمل به؛L’Egrégore

أولا التعريف به: لغريغور هذا هو روح علوية طاهرة يستخدمها اليهود مثل المغناطيس أو مثل الفخ لجذب الجان و العفاريت و الشياطين إليها فمتى دخلت فيها صارت مرتبطة بها إلى الأبد و تنفذ بكل إخلاص الأوامر التي يصدرها السحرة اليهود من الجن و العفاريت و الشياطين الذي جذبهم هذا الروح إليه و أدخلهم في دائرته فيصبحون مثل العبيد ينفذون دون نقاش و لا تعطيل.

ثانيا دوره: لقد شرحت في التعريف أعلاه أن لغريغور هذا مثل المغناطيس أو الفخ يجذب إليه الأرواح فمتى دخلته صارت مرتبطة به إلى الأبد، فدوره إذا جذب الأرواح السفلية من جن و عفاريت و شياطين و إدخالها في دائرته، ثم يمكن السحرة اليهود من استخدام هؤلاء الجان و العفاريت و الشياطين في تنفيذ ما يطلب منهم من أعمال روحانية بدون نقاش و تكاسل، من هنا علينا أن نعلم أن الساحر اليهودي لا يقيم أي عهد مع أي جن أو عفريت أو شيطان إنما العهد الوحيد يربطه بجماعته التي ينتمي إليها، التي حين يقبل العضو الجديد تقدمه عن طريق طقس خاص إلى لغريغور الذي تعمل به تلك الجماعة فيصبح منذ أول يوم متمكن من استحضار الجن و العفاريت و الشياطين دون الحاجة لرياضة و لا لخلوة. المشكلة الوحيدة هي أن يجد المنخرط الجديد جماعة تقبله عضوا فيها، فمتى تجاوز هذه المرحلة فكل شيء سهل المنال.

ثالثا كيفية تنشيطه: قبل شرح ذلك سأعطى نبذة مختصرة عن كيفية سير لغريغور، و طريقة العمل لتنشيطه، إذا و كما سبق و أن قلت؛ لغريغور روح علوي أي ملاك من الملائكة العلوية، و كلنا نعلم أن الأرواح العلوية حاكمة على السفلية، لكن و حسب مخطوط الحاخام عبدول بن بارات أكبر حاخام روحاني عبري عاش في نهاية القرن السابع عشر و بداية القرن الثامن عشر (من 1722 إلى 1806) في المملكة الغربية و ألف كتاب الغيخاريتون الذي يشرح بطريقة مفصلة و دقيقة كيفية خلق هذه الأرواح و كيفية تنشيطها، و كيفية العمل بها، يقول هذا الحاخام أن لغريغور روح علوية يخلقها الله عز و جل من التسابيح التي يرددها المخلصون له إذا زاد عددهم عن العشرة أشخاص، من هنا نفهم أن لغريغور روح علوي طاهر لأنه يخلق من نور الذكر، و قد تأكدت من صحة هذه المعلومة حين قمن بأبحاث معمقة في هذا الموضوع (أي موضوع ارتباط الملائكة بالذكر) فوجدت في أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم أن غراس الجنة سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، أي أن متى ردد المسلمون هذه الكلمات غرست لهم الملائكة أشجارا في الجنة بعدد كل كلمة يرددونها، و وجدت أيضا في الأثر أن من داوم على ورد خلق الله من ذلك الورد ملائكة تستغفر لصاحبه، هذا مهم جدا لأن خلق لغريغور ناتج عن ذكر جماعة معينة لليهود لتسبيح معين، و لدي دليل قد ذكرته أعلاه أن من دام على ورد معين خلق الله من ذلك الورد ملائكة تستغفر لصاحبه و تقضي حاجته، فاليهود كانوا أهل كتاب قبل المسلمين و قد أدركوا هذه الحقيقة قبل المسلمين فاستعملوها لتقوية علومهم الروحانية، إذا ما قاله الحاخام عبدول بن بركات صحيح مائة في المائة و له أساس ديني محض.
إذا يحتاج لغريغور إلى عزيمة معينة أو تسبيح معين حتى يخلقه الله تعالى و يسخره لذاكريه، و هنا نستنتج أن لغريغور يحتاج إلى ذلك الذكر حتى يقوى و يحافظ على قوته النورانية،و يجب أن يكون عدد الذاكرين عشرة فأكثر، و كلما كان عدد الذاكرين كبيرا كان لغريغور قويا.
لكن و حتى نفهم أكثر من هذا علينا أن نتعمق أكثر من ذلك في هذا العلم؛ من هنا نفهم لمذا يتجمع سحرة اليهود على شكل جماعات روحانية تشكل كيانا واحدا، فهدفها خلق هذا الروح و الاستفادة من قوته، و لا يمكن لشخص واحد بمفرده أن يصل إلى هذه الغاية لأن أدنى حد مطلوب هو عشرة أفراد لا ينقصون عن ذلك أبدا، لو بحثنا أكثر في هذا الموضوع لرأينا أن الذكر في الجماعة أقوى و أفضل من الذكر المنفرد، فعلى سبيل المثال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة، و السر هنا في الجماعة، لأن الجماعة تمثل قوة روحانية حقيقية بينما الفرد لوحده يكون منعزلا و قوته لوحده ضعيفة إلا إذا كان وليا من أولياء الله الصالحين، لكن أين نحن من هؤلاء.

الآن سنحاول شرح و فهم الطريقة المعمول بها بين الساحر اليهودي و لغريغور و كيفية العمل بينهما، من هنا أقول أن الساحر اليهودي، يأخذ قوته من لغريغور لأنه يشارك بصفة منتظمة في الذكر الذي يحيا منه لغريغور، و أن لغريغور يمد الساحر اليهودي بطاقة خارقة للعادة لأنه يحتاج إليه و مرتبط به عن طريق الذكر الذي يحيا لغريغور منه، فالعلاقة بينهما أخذ و عطاء، فلو لا الساحر اليهودي لمات لغريغور لأنه يحيا بذكر الساحر، و لو لا لغريغور لما كان للساحر اليهودي أي قوة روحانية.
اميل الفلكى احمد شاهين : AHMED.CHAHEN@YAHOO.COM

http://ahmed-chahen.board-idea.com/forum

رد
تابع : اسرار السحر اليهودى

لكن لم نشرح حتى الآن كيف يستقطب و يجذب لغريغور إليه الجن و العفاريت و الشياطين، و ما هي العلاقة بينهما ؟؟؟ من هذا المنطلق علينا أن نعلم أن لغريغور روح علوية تستمد قوتها و طاقة حياتها من الأذكار و العزائم التي يرددها سحرة اليهود، فهو (أي لغريغور) مرتبط بتلك الجماعة و بقاءه حيا مرتبط بذكرها، فلو حدث و أن توقفت الجماعة عن تلاوة تلك الأذكار، لمدة معينة يصبح لغريغور مضطرا للعيش من الطاقة الموجودة به، فمتى نفذت تلك الطاقة مات، تماما مثل الجسد البشري فهو يحتاج إلى الغداء ليقوى و يعيش، فمتى توقف الإنسان عن الأكل يقوم الجسد بتذويب الشحم و الطاقة المخزنة داخله، فمتى ذاب كل الشحم، يستهلك الجسد اللحم حتى لا يبقى إلا العظم فمتى وصل الجسد البشري لهذه المرحلة و لم يجد غداءا يستهلك يموت إنسان.

إذا لغريغور يحتاج لذلك الذكر حتى يقوى و يكبر و يعيش، و بدون ذلك الذكر سيموت شيء فشيء حتى يفني و يندثر، هذه هي إذا العلاقة بين الاثنين، لكن علينا الآن أن نشرح كيف يجذب لغريغور الجن و الشياطين و العفاريت إليه ؟؟؟ كما شرحت أعلاه و بالتفصيل الممل، لغريغور روح علوية طاهرة و كلما زاد عدد الذاكرين لاسم الذي يعيش لغريغور منه كانت قوته اكبر، و الأرواح العلوية نور وهاج، و كما هو معلوم النور جذاب لكل شيء، فلو أشعلنا في الليل مصباحا إلكترونيا للاحظنا أن الحشرات تنجذب إليه و تدور حوله، لأنه يصدر طاقة حرارية مؤثرة على تلك الحشرات، الجن و الشياطين و العفاريت أيضا تجذبها بعض الألوان و بعض الأنواع من الطاقة، فلغريغور يصدر طاقة حيوية و حرارية تجذب إليه تلك الأرواح، مع العلم أن لغريغور روح لا جسد له، و هو مثل السراج الوهاج التي ينير المكان بألوان و حرارة تبهج القلوب، فهذه الطاقة التي يصدرها لغريغور تجذب إليها الأرواح السفلية فقط، فتأتي تلك الأرواح و تأخذ منها حاجتها من الطاقة، فمتى أخذت من تلك الطاقة صار لزاما عليها أن تعود إليها لتتزود من جديد بالطاقة التي يصدرها لغريغور و بالتالي تصبح مرتبطة به، تماما مثل شخص أدمن على استهلاك مادة مخدرة لا يستطيع أن يعيش بدونها، و كلما صار استهلاكه لتلك المخدرات كبيرا كلما صار ارتباطه بها و حاجته إليها كبيرا. إذا لغريغور يمد الأرواح السفلية بطاقة حيوية لتعيش، فهي متى أخذت منه صارت تابعة له، و كلما زاد استهلاكها لهذه الطاقة زاد ارتباطها بهذا لغريغور.

الاستنتاج النهائي أن العلاقة ثلاثية؛ العلاقة الولي تربط لغريغور بالساحر لأن طاقته الحيوية مستمدة من أذكار الساحر، ثم العلاقة الثانية بين لغريغور و الأرواح السفلية لأن هذه الأرواح تستمد قوة حيوية منه، و في الأخير يشكل الثلاثة علاقة مرتبطة ببعضها البعض لأنهم جميعا يستمدون قوتهم الحيوية من بعضهم البعض.

الآن و بعد أن أعطينا شرحا مفصلا من هذه المسألة وجب علينا أن نوضح كيف يستخدم اليهود للغريغور في أعمالهم الروحانية ؟؟؟ أولا علينا أن نعلم أن لكل إغريغور خصائص غير موجودة في غيره من أشباهه، لأن كل واحد مرتبط بجماعة معينة قد تكون أكثر أو أقل عددا من جماعة أخرى، فقوة لغريغور تكون كبيرة كلما كان عدد الأعضاء المنتمين للجماعة كبيرا و العكس صحيح، ثانيا؛ لكل إغريغور جدول خاص به و اسم سري و اسم قوة تستعمل لندائه و طلب المعونة منه أثناء الأعمال الروحانية، لن أتوسع هنا أكثر من هذا لأن هذا الشرح يتطلب موضوعا منفصلا نظرا لطوله و أهميته.

أولا علينا أن نوضح أن عملية تنشيط لغريغور و كيفية طلب العون الروحاني منه تعتمد على ثلاث شروط أساسية ليكون العمل صحيحا هي كالتالي:
01) معرفة الاسم السري للغريغور.
02) امتلاك الخاتم السري للغريغور.
03) معرفة الاسم السري أو الورد أو العزيمة الخاصة به.

غياب أحد هذه الشروط يعني بكل بساطة أن هذا الروح لن يستجيب للساحر حين يناديه، لأن عمله ناقص، لكن و قبل الخوض في شرح هذه الأمور بصفة مفصلة لابد لي أن أنبه الجميع لأمر أخر لا يقل أهمية عن الشروط الثلاثة المطلوبة لعملية طلب العون و المدد منه؛ هذه النقطة المهمة تتمثل في كيفية الارتباط به حتى يستجيب لنداء الساحر حين يطلب المدد منه، فتابعي معي بكل حذر لأن الأمر مهم جدا.

كيفية الارتباط بلغريغور:

حين يترشح أحد المبتدئين لدخول جماعة معينة من جماعات السحرة اليهود، أول خطوة لابد له من اجتيازها هي أن يقبله الحاخام الأكبر الحاكم على الجماعة المراد الانخراط فيها، فإن كان لهده الجماعة أكثر من شيخ واحد (أي ثلاثة أو خمسة أو سبعة) يجب أن يقبله على الأقل ثلثي الشيوخ، أي يقبله عن الأقل اثنان إن كان عدد الشيوخ ثلاثة، أو ثلاث شيوخ إن كان عددهم خمسة، أو خمسة شيوخ إن كان عددهم سبعة، و في حالة تساوي عدد الشيوخ الذين قبلوا العضو الجديد، يخضع المترشح لامتحان معين و نتيجة الامتحان تحدد مصيره سواء القبول أو الطرد. قد تبدوا لنا هذه العملية أو هذا التقليد معقدا لكن لكل أمة طريقتها الخاصة في تسيير شؤونها، و الحاخامات اليهود بهذه الطريقة يصطفون خيرة المبتدئين لتعليمهم الروحانيات، و بالتالي ليست الروحانيات العبرية مفتوحة لكل من هب و ذب، بل هي مقتصرة على عصارة المريدين و خيرتهم، و من جهة أخرى هي طريقة ذكية جدا و ماكرة لحفظ العلوم الروحانية من الشيوع بين عامة الناس.
متى تجاوز المبتدأ مرحلة القبول؛ يتم عرضه على شيخ أو حاخام معين قصد تجربته و امتحانه، هذا الامتحان معروف باسم امتحان الطبائع الأربعة (أي امتحان النار، ثم امتحان الهواء، ثم امتحان الماء، و أخيرا امتحان التراب) تتم هذه الامتحانات بدون علم المبتدأ، بحيث لا يجرأ أحد من الأعضاء على تنبيه المنخرط الجديد بالعراقيل التي ستوضع في طريقه، لأن الهدف هو اختيار أحسن الشباب و أقدرهم على تلقي العلوم الروحانية، و كل منخرط جديد يفشل في أكثر من امتحان واحد لا يقبل و يطرد قبل أن يتلقى درسا واحدا، من هنا نستنتج أن الروحانيات العبرية مفتوحة فقط لعصارة المترشحين لذلك هي قوية، لأن الذين يمارسونها متمكنين في هذا المجال.
حين يتجاوز المنخرط الجديد هذه الامتحانات الأربعة فقط يربطه الحاخام بلغريغور، و ليس قبل ذلك، لأن ما سيكشفه له الحاخام من أسرار حول هذا الروح يعتبر سرا يمنع منعا بثا البوح به أو إفشاءه و سنلاحظ ذلك حين نصل إلى القسم الذي يؤذيه المبتدأ حين يربط بهذا الروح
إذا العقبتان الوحيدتان في طريق المنخرط الجديد هما:
واحد: قبول الحاخامات له.
ثانيا: اجتياز امتحان الطبائع الأربعة.

تتم عملية الارتباط بلغريغور إذا بعد هاتين المرحلتين و ليس قبلهما، كما تتم عملية الارتباط عن طريق طقس روحاني خاص سنراه معا في محله إن شاء الله تعالى فلا نسبق الأحداث.

إذا بعد اجتياز هذه العقبتين؛ يبدأ الحاخام في تهيئة المبتدأ أو العضو الجديد قصد ربطه بلغريغور، و أول خطوة هنا هي تحديد الاسم السري للمنخرط، و طلسمه الخاص؛ قد تبدوا لكم هذه الأمور مبهمة لكن لن تكون كذلك بعد الشرح الأتي:

ما هو الاسم السري للساحر ؟ كما يعلم الجميع؛ لكل واحد منا اسما علما سمي به حين ولد حتى يعرف بين الناس وتحدد ماهيته بكل وضوح، فلو لم يكن لكل واحد منا اسما خاصا لاختلط الجابل بالنابل و لما استطعنا أن نفرق بين الناس، فالاسم رمزا يدل على شخص معين، و الهدف من الاسم التمييز بين الناس و لو تشابهت أسمائهم. نفس المقياس مطبق هنا لكن بميزان روحاني، فالاسم السري للساحر ليس الاسم العلم المعروف به بين الناس، بل هو نوع من الشفرة أو الكود ليستطيع لغريغور التمييز بين السحرة الذين يشاركون في تنشيطه و إمداده بالطاقة اللازمة لحياته، و حتى أوضح أكثر من هذا سأضرب لكم مثلا بسيطا؛ لقد أثبتت البحوث العلمية أن الحيوانات لا تميز بين الناس بملامح الوجه، بل تميز بين الناس بالرائحة المنبعثة من كل شخص، فالكلب على سبيل المثال لا يعرف صاحبه بملامح وجهه، بل يعرفه برائحته لأن لكل إنسان رائحة خاصة به مختلفة تماما عن باقي البشر ولو كانوا عشرون مليار فلكل واحد منهم رائحته الخاصة، و هذه آية من آيات الله سبحانه في خلقه. من هنا أقول أن الروحانية لا تعرف البشر بأسمائهم العلم المعروفين بها في عالمنا المادي، و خير دليل على ذلك الرسول الكريم فاسمه في الأرض محمد و بين أهل السماء أحمد، و قد قالها الله عز و جل في القرآن الكريم. من هنا نكتشف شيء جديد هو أن لكل إنسان اسمان اسم علم يعرفه به عامة الناس في عالمنا الحسي، و اسم سري يعرفه به سكان السماء. فأول خطوة لربط المبتدأ الجديد تبدأ بمعرفة اسمه السري في الملكوت، و سأوضح الطريقة كاملة في مكانها و حين نصل إليها إن شاء الله تعالى. هذا الاسم السري يعتبر أحد المفاتيح الأساسية في العلوم الروحانية العبرية، و معرفة هذا الاسم شرطا أساسيا و مرحلة أولى للارتباط بالروحانية العلوية و السفلية. أكرر؛ الاسم السري للساحر هو الاسم الخفي للمريد التي من خلاله تتعرف الروحانية العلوية و السفلية على كل شخص يريد دخول عالمها، فهي لا تعرف الناس بأسمائهم التي كنوا بها حين ولدوا إنما تعرفهم بأسماء سماهم الله سبحانه بها في الملكوت قبل خلقهم.

لمذا الاسم السري و ما هو دوره ؟ لقد وضحت أن الاسم السري هو شفرة خاصة بكل واحد منا في الملكوت و عن طريق هذا الاسم فقط تتعرف الروحانية على كل شخص و تميزه بين البشر، و خير دليل على ذلك أن الرسول الكريم اسمه في الأرض محمد و في السماء أو في الملكوت أحمد، و لو لم يكن لهذه الأسماء سرا لا يعلم شانها إلا الله لما اختار الله تبارك و تعالى لنبيه اسم أحمد في السماء، و الدليل موجود في القرآن لمن أراد أن يتأكد من صحة هذه المعلومة التي غفل عنها الكثير منا، بالرغم من وجودها في القرآن العظيم الحامل لكل المعجزات.

كيف يتم تحديد الاسم السري: للأسف الشديد هذه النقطة تطلب درسا كاملا لأن الكيفي الكاملة لتحديد الاسم السري موجودة عندي في مخطوط عبري عتيق مكتوبة على 35 صفحة فمن المستحيل على أن أكشف لكم عن الطريقة كاملة هنا و لو فعلت ذلك لتحول هذا المقال إلى كتاب، لكن أعد الجميع أنني سأفرد درسا خاصا في هذا الشأن في أقرب فرصة ممكنة

أولا: هذا الاسم سري جدا و يجب أن لا يعرفه أحد باستثناء الحاخام المتكفل بالمريدين و الذي يتابع عملية تلقينهم العلوم الروحانية، لأن هذا الاسم مفتاح حقيقي في العالم الروحاني، و هو يدل على شخص معين، مرتبط بقوة علوية و سفلية معينة، لذلك ممنوع البوح به لأي شخص أخر مهما كان السبب.

ثانيا: في بعض الجماعات اليهودية و نظرا للعدد الكبير جدا من السحرة المنتمين لهذه الجماعة، يقوم الحاخامات بخلق أكثر من اغريغور واحد، أي أنهم يجعلون لكل حاخام اغريغور خاص به، و يتم اقتسام المردين فيما بين الحاخامات طبعا الهدف هنا هو تقوية الجماعة روحانيا إلى أقصى الحدود، هنا يمكن للمريدين الارتباط بأكثر من اغريغور واحد (دائما ضمن نفس الجماعة فقط) لكن عليهم إيجاد لكل اغريغور اسم الارتباط الخاص به، و لا يجوز استعمال اسما واحدا لمجموع الأرواح الجامعة التي تعمل بها الجماعة.

ثالثا: حين يتم تحديد الاسم السري للساحر لا يمكن تغييره مهما كانت الأسباب و يبقى هذا الاسم مستعملا حتى يموت الساحر.

في بعض الأحيان و ضمن نفس الجماعة تتشابه الأسماء السرية للمريدين و مع ذلك لا يشكل هذا التشابه أي إشكال أو عائق، لأن لغريغور يعتمد على ثلاث عناصر لتحديد هوية الساحر المرتبط به هي:
01) الاسم السري.
02) الطلسم السري للسحار.
03) قطرة الدم التي يضعها وجوبا و إلزاميا كل ساحر في ظهر طلسمه السري.

الطلسم الخاص أو السري للساحر: بعد الاسم يأتي الطلسم السري أو الخاص؛ هذا الطلسم هو علامة تزيد من خصوصية المريد و حتى الحاخام في العالم الروحاني، و هي شبيهة إلى حد بعيد بالبطاقة الخاصة بالتعريف، فهي مكملة للاسم السري، لكن كل مبتدأ حر في اختيار طلسمه الخاص، بحيث يمكنه اتخاذ أي شكل هندسي غير معقد طلسما له، كما يمكن أن يستعمل حرفا من الحروف القديمة رمزا له، لاحظوا معي عينة من الطلاسم السرية التي استعملها مجموعة من الحاخامات عاشوا في الجزائر قديما.

بطبيعة الحال زادت الأمور تعقيدا و أصبحت الوضعية صعبة، لكن أؤكد للجميع أن هذه الأمور موجودة فعلا في الروحانيات العبرية و النصرانية، و هي جديدة علينا لأنه لم يسبق لأحد أن تعمق في صلب السحر العبري، و هذه أول مرة نتطرق لمثل هذه الأمور التي ظلت لقرون و قرون سرا بين اليهود، و بمثل هذه الدقة.

متى حدد المبتدأ اسمه السري، و طلسمه السري لم يبقى أمامه سوى الانتقال إلى المرحلة التالية من العمل ألا و هي الارتباط بلغريغور.

أعلم جيدا أنني لم أتوسع بما فيه الكفاية لكن خير الكلام ما قل و دل كما يقول المثال العربي.

بعد أن قدمنا شرحا كافية على الوسائل اللازمة للمريد قصد الارتباط بلغريغور، وجب علينا الآن أن نعود لبيت القصيد، و أن نكمل الشرح الخاص بكيفية عمل هذه الأرواح.

أولا: تماما مثل السحرة، لكل إغريغور اسم سري، و طلسم سري، و اسم قوة خاص به؛ هذه الأركان الأربعة لا يمكن الوصول إليها ما لم يتم قبول المترشح للانتماء للجماعة، و لا يتم تزويد المنخرط الجديد بهذه المعلومات إلا بعد أن يتم قبوله، و ينجح في الامتحان الخاص بالطبائع الأربعة، و بطبيعة الحال بعد أن يجد اسمه السري و طلسمه الخاص، هنا الحاخام هو الذي يتكفل بعملية تزويد المريد الجديد بهذه المعلومات.

الاسم السري للغريغور: كلنا نعلم أن لكل شيء في الأرض و في السماء اسم معروف به، سواء كان هذا الشيء إنسان، أو جان، أو ملك،أو حيوان أو نبات، فلكل إغريغور إذا اسم سري يكنى به، و هذه سنة من سنن الله سبحانه و تعالى في نفسه و في خلقه، و لو لا هذه الأسماء لاختلط كل شيء. جاء في القرآن العظيم في سورة البقرة ( و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحناك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
تحديد اسم لغريغور يعود للحاخامات، لأنهم حراسه و كبار سدنته، فهم من يتولوا عملية خلقه و تزويده بالطاقة اللازمة لحياته، فالمريد لا يستطيع سوى أن يشارك في الأذكار الخاصة بتنشيطه، كما يمكنه طلب المدد الروحاني منه ليس أكثر من ذلك.

الطلسم السري للغريغور: تماما مثل الاسم لكل إغريغور طلسم خاص لابد أن يكون موجودا في جميع الفوائد الروحانية التي ينفذها السحرة اليهود

كيف يطلب الساحر اليهودي المدد من لغريغور ؟ لقد وصلنا هنا إلى نقطة مهمة جدا و من الأسرار التي لن تجدونها لا في مخطوط و لا في كتاب؛ فحين يبدأ الساحر اليهودي في تنفيذ فائدة روحانية ما، و بعد أن يصرف العمار و ينشط دائرة الحماية أو الحفظ، و قبل أن يبدأ في تنفيذ الفائدة مهما كان نوعها، يقوم بطلب المدد من لغريغور، فمتى شعر بوصول المدد ينتقل لعملية تنفيذ الفائدة التي هو بصدد عملها، هذا يعني أن جميع الفوائد الروحانية العبرية منقسمة إلى قسمان القسم الأول الخاص بالفائدة في حد ذاتها، أما القسم الثاني فهو عملية طلب المدد الروحاني من لغريغور، و هنا تجدر الإشارة إلى أن الروح السفلية التي ستنفذ المطلوب مجبرة على الاستجابة لنداء الساحر اليهودي، لأن قوة علوية تجزرها و تأمرها بالانقياد للطلب مهما كان. إذا يمكننا القول أن الفوائد الروحانية العبرية تحتوي في مجملها على عملية ثانوية لكن مهمة جدا و أساسية تتمثل في تنشيط لغريغور و طلب المدد منه، و لا تستطيع الأرواح السفلية حتى و لو كانت ملكا من ملوك الجان أن لا تنفذ أمر القوة العلوية الحاكمة عليها و الجازرة لها. فهذه إذا نقطة مهمة جدا، و سرا من أسرار اليهود المكتومة، فاعرفوا قدر و شأن ما وصل إليكم و سئلوا الله العظيم أن يعينني على إتمام الرسالة التي بدأتها فالعمر قصير و الموت حق، و أقربنا للموت الطاعن في السن و المريض.

كيف و بماذا تتم عملية طلب المدد من لغريغور ؟ قلنا ان طلب المدد الروحاني من أي إغريغور تتطلب معرفة اسمه و امتلاك طلسمه، لكن هذا لا يكفي، لأننا نحتاج أيضا إلى شمعة مصنوعة بطرقة خاصة جدا و إلى نوع معين من السماط.

تعريف السماط: هو عبارة عن قطعة قماش من حرير أسود طولها 120 سنتمتر و عرضها 90 سنتمتر مرسوم في وسطها تماما الخاتم السليماني العبري (أي النجمة الخماسية الأركان) و على الجانبين العلويين للنجمة الخماسية الأركان صورة للقمر الصاعد و النازل، أي أنها تمثل زيادة القمر في جهة و نقصانه في الجهة الثانية، و في الجهة السفلية للخاتم الخماسي الأركان رسم رمز الجماعة التي ينتمي إليها الساحر، أقول بدقة رمز الجماعة و عادة ما يكون صورة حيوان زاحف أو كاسر، رمز الجماعة التي أخذت منها مخطوطاتها عند استقلال الجزائر كان الثعبان و هي جماعة لم يبقى لها أثر اليوم و قد بحث عن أخر أعضائها في أوروبا لكن وجدت أنها قد تلاشت و لم يبقى لها باق

قلنا أننا نحتاج إلى سماط، و هو عبارة عن قطعة من القماش طولها 120 سنتمتر و عرضها 90 سنتمتر سوداء اللون مرسوم عليها النجمة الخماسية الأركان و رمز القمر الزائد و القمر الناقص، كما نحتاج إلى طلسم هذا لغريغور، لكن حتى الآن نحتاج إلى عنصر ثالث و أساسي حتى يكتمل الثلاثي الواجب تحضيره حتى يكون العمل كاملا مائة في المائة. هذا العنصر الثالث هو شمعة الاستنزال.

تعريف شمعة الاستنزال: للأسف الشديد غاب في عصرنا هذا الشيوخ المربين الذين مكنهم الله تعالى من العلوم الروحانية فأصبحوا بإذنه عز و جل رجال كشف عن غيبيات الأمور و مبهماتها، فغياب هؤلاء الشيوخ في عصرنا هذا أو عن الأقل قلتهم و نذرتهم، جعلت من العلوم الروحانية تخاريف و خزعبلات حقيقية، بحيث عجز غالبية الروحانيين الجدد في تحقيق ما يصبون إليه، أقصد أن الكثير ممن يدعون أنهم شيوخ و دكاترة و علماء ليسوا سوى محتالين هدفهم الأول و الأخير، التشهير لأنفسهم قصد أكل مال الناس بالباطل، فلو كان هؤلاء النصابين شيوخا كما يقولون لما احتاجوا للتشهير بأنفسهم و الجهر بأنهم شيوخا و علماء، أول درجة في العلم الحقيقي هي التواضع، ثم التسليم للقوي و الضعيف، ثم قول الحق و لو على أنفسهم و في الأخير كتم السر و صيانته لأن الروحانيات ليست لعبة و لا يجوز لأي شخصا مهما كان أن يشهر بما لديه من قوة لأن القوة لله و لرسوله و للمؤمنين. فمن يدعي القوة يموت بالضعف كما يقول المثل في المغرب و الجزائر، و من قال أنا فقد كذب لأن العبد ضعيف و لو كان النبي سليمان الحاكم على الإنس و الجان عليه أفضل صلاة و خير سلام. من هنا وجب علي فتح قوس حول الاستنزال بصفة عامة، لأنه سبق و أن قلنا أن الروحانيات في الأصل واحدة و تنبع من سراج واحد، الاستنزال إذا كلمة مشتقة من الجذر أنزل أي أهبط الشيء، و الهبوط في اللغة العربية الفصحى هو نزول شيئا ما من أعلى إلى أسفل، فالمقصود هو إنزال قوة علوية تسكن مكانا عال إلى المكان الموجود فيه الطالب. و الاستنزال ثلاثة أقسام هي:
01) الاستنزال بالناظور.
02) الاستنزال النفسي.
03) الاستخدام.

تعريف الاستنزال بالناظور: هو عملية روحانية يقوم من خلالها الطالب بعملية استحضار الجان في شخص معين تتوفر فيه شروط عينة، كان يكون صبي زهري، أو امرأة حامل، أو عبد أسود؛ في هذا النوع من الاستنزال لا يرى الطالب أي شيء بحيث يكون الناظور واسطة بين الطالب و من حضر من جان، الذي يهمنا هنا هو أن هذا النوع من الاستنزال ضعيف جدا و مشكوك فيه لأسباب كثيرة جدا منها أن الجان ليسوا مرغمين على قول الحق لأنه لا تربطهم بالطالب الذي يجري عملية الاستنزال أي عهد، فهم بالتالي غير مرغمين على قول الحق حتى و لو أقسموا فوق المصحف الشريف، أؤكد للجميع أن أضعف أنواع الاستنزال هو الذي يتم بالناظور.

تعريف الاستنزال النفسي: من حيث التعريف هو مشابه تماما للاستنزال بالناظور باستثناء أنه لا يتم في جارية أو صبي أو عبد، بل يتم في مراية أو طبق صيني مطلي بالزيت أو غيره، و فيه ينكشف الحجاب بين الطالب و الجان فيراهم و يكلمهم بنفسه دون الحاجة إلى واسطة كما هو الحال بالنسبة للاستنزال بالناظور، لكن هذا النوع من الاستنزال ينفع لبعض الأمور مثل الكشف عن سارق، أو مريض، أو السؤال عن غائب، إلى غير ذلك من عموميات الأمور، أما الأمور ذات أهمية مثل الكشف عن الكنوز فهنا يكذب.

تعريف الاستخدام: هو أعلى درجة من درجات الاستنزال و أحسنها، لأنه لا يتم إلا بعد الرياضة و الخلوة و هو يتصرف في كل شيء، لأن الجني هنا مرتبط بعهد أخذ منه، فيصبح مضطرا للاستجابة مهما كانت الظروف.

قد يتساءل البعض عن علاقة الاستنزال بما نقوله هنا عن السحر اليهودى وخفاياه؟؟؟ الإجابة بسيطة جدا؛ عملية طلب المدد الروحاني من لغريغور شبيهة جدا بعملية استنزال، بل هي عملية استنزال حقيقية، لأن لغريغور سيكون حاضرا في الفائدة التي ينفذها الساحر اليهودي، و حضوره حارق للسفليين لأنه علوي، و لا طاقة لسفلي على علوي، و هنا تكون الاستجابة سريعة و إلزامية.

أعود فأقول أن عملية استحضار لغريغور تحتاج إلى ثلاث عناصر هي:
01) السماط.
02) الطلسم السري للغريغور.
03) شمعة الاستحضار.

سؤال ما هي هذه الشمعة و كيف تصنع: الروحانيات بصفة عامة علوم تقليدية أعني أنها تحتاج إلى وسائل لا تشترى من الأسواق بل يجب على الطالب أن يصنعها بنفسه، لأن عملية الصناعة يجب أن تتم وفق مقاييس معينة لا يمكن لصناع الأدوات الروحانية توفيرها لأن هدفهم تجاري، بينما هدف الطالب روحاني، في بعض الحكم أو الفوائد العربية كالمحبة على سبيل المثال يجب أن تتم في شمعة مصنوعة من شمع النحل الحر في ساعة فلكية معينة، فهل يوجد صانع للشمع يراعي الساعات الفلكية حين يصنع مائات الآلاف من الشموع في آن واحد ؟؟؟ بالطبع لا لأن هدفه تجاري و ليس روحاني كما قلت.

إذا الشمع المخصص لمناداة لغريغور يصنع و لا يشترى، لأنه يصنع وفق قواعد معينة و تحت رصد فلكي معين و تتم عملية تعبئة هذه الشمعة بالطاقة وفق طريقة معينة. هذه الشمعة يجب أن تصنع من شمع النحل الحر الخالص، و أن يكون طولها حوالي 10 سنتمتر، و قطرها حوالي 04 سنتمتر. عليها ينقش اسم لغريغور و طلسمه من جهة، و من الجهة الأخرى طلسم الساحر و اسمه السري.

هذه الشمعة صالحة للاستعمال مدة ستة أشهر كأقصى تقدير، فإن حدث و أن تجاوزت ستة أشهر فللطالب حرية صنع شمعة جديدة، أو إعادة تعبئتها بالطاقة من خلال طقس معين. و في حالة إذا ما استنفذت قبل المدة المحددة يجوز صنع واحدة جديدة وفق النفس الكيفية و مع احترام نفس شروط الصنع.

إذا لمناداة لغريغور و طلب العون منه يوضع السماط على الأرض خلف الطالب و ليس أمامه، و في وسط النجمة المرسومة على السماط يوضع طلسم لغريغور، و فوق الطلسم توقد الشمعة، و تبقى مشتعلة حتى تنتهي العملية كلها، فإن حدث و أن كانت الفوائد المراد فعلها طويلة جدا و تتطلب وقتا طويلا يضاعف طول الشمعة عند صنعها بأن يكون طولها 20 سنتمتر بدل 10؛ لكن و في أقصى الحدود لا يمكن أن يتجاوز طول الشمعة في أقصى الحدود 25 سنتمتر.

الاصدقاء

الشيخ ابن عثمينين عليه رحمة الله

من اقوالهم

الزاوية تحت التحديث

الاهل

الاهل
الدكتور عبدالعظيم حشيش وحسن احمد حشيش زوج اختى والمهندس محمد حجازى حشيش ابن اخى والدكتور عبدالله عبدالعظيم فى الاسماعيلة .
Loading...

سييما

سييما
الـ عبدالكريم حشيش وابتسامة مراوغة

من أنا

صورتي

صحافى يعمل بجريدة الراية القطرية منذ العام 1999 ولديه اهتمامات دينية وسياسية واجمتاعية ومتزوج من طبيبة  ولديه ولد اسمه محمد وبنتين رحمه ورباب

الاصدقاء

الاصدقاء
الشيخ محمود عبدالحليم جالسا والى يساره طارق خطاب وعبدالكريم حشيش ومجدى صالح

; روابط كتب

*رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز»/ للإمام الرسعني (661هـ) pdf

http://www.pdfbooks.net/vb/showthread.php?t=28905

*الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة/للدكتور محمد شحرور- دراسة وتقويم بقلم غازي التوبة

http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=10142

ايضا نقد لمنهج الدكتور شحرور

http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=2685

كتاب : المنقذ من الضلال

المؤلف : أبو حامد الغزالي


بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى، صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة.أما بعد: فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثّ إليك غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرقِ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاعٍ الاستبصار، وما استفدته، أولاً من علم الكلام، وما اجتويته، ثانياً من طرق أهل التعليم، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته، ثالثاً من طرق التفلسف وما ارتخيته، آخراً من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، ومستوفقاً منه، وملتجئاً إليه: اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، " وكل حزبٍ بما لديهم فرحون " . وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه، وهوا لصادق المصدوق حيث قال: " ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة " فقد كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجّم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني، من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي، وحتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت: صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصُر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " كل مولودٍ يولدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهودانهِ، وينُصرانهِ، ويُمجِّسَانِهِ " فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي: أولاً إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارناً لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلاً - من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يروث ذلك شكاً وإنكاراً، فإني إذا علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.مدخل السفسطة وجحد العلومثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلاً من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات، والضروريات، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولاً لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لا غدر فيه، ولا غائلة له.فأقبلت بجد بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذ يتسع فيها ويقول: من أين الثقة بالحواس؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل بالتدريج ذرة، ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب، فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. هذا، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً.فقالت الحواس: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقاً بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكماً آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة!! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلاً وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً، واستقراراً، ولا تشكل في تلك الحالة فيها، وثم تستيقظ فتعلم: أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل. فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالإضافة إليها! فإذا وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها.ولعل تلك الحالة، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم أحوالاً لا توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي الموت، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهُوا " . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك: " فكشفنا عنكَ غطاءكَ فبصرُكَ اليومَ حديدٌ " .فلما خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية. فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل. فأعضل الداء، ودام قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، على " الشرح " ومعناه في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديهُ يشرح صدرهُ للإسلام " قال: " هو نور يقذفهُ الله تعالى في القلبِ " .فقيل: وما علامته؟ قال: " التجافي عن دار الغُرُورِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود " .وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه:" إن الله تعالى خلق الخلقَ في ظُلْمةٍ، ثم رشَّ عليهمْ من نُورهِ " فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلّم: " إن لربكم في أيامِ دهركم نفحاتٌ، ألا فتعرضُوا لها " والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب نفر واختفى، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب.أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: 1 - المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.2 - الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.3 - الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.4 - الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة. فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق. مبتدئاً بعلم الكلام. ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية.علم الكلام مقصوده وحاصلهثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصَّلته، وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علماً وافياً بمقصوده، غير واف بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق. على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها.فأنشأ الله تعالى، طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها، إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً أصلاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً.نعم لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق. ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات، والغرض الآن: حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر.الفلسفةأحاصيلها، ما يذم منها وما لا يذم، وما يكفر فيه قائلة، وما لا يكفر، وما يبدع فيه وما لا يبدع، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم. ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقاً. ولم أر أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي، فضلاً عمن يدعي دقائق العلم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى في عماية.فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد. فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه.فاسمع الآن حكايته، وحكاية حاصل علومهم، فإني رأيتهم أصنافاً، ورأيت علومهم أقساماً وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوت عظيم، في البعد عن الحق والقرب منه.أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهماعلم أنهم - على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون، والإلهيون.الصنف الأولالدهريونوهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه، وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبداً وهؤلاء هم الزنادقة.والصنف الثانيالطبيعيونوهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات. فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى، وبدائع حكمته، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها، ولا يطالع التشريح، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان، لا سيما بنية الإنسان..! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضاً، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم، كما زعموا، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، والحشر والنشر، والقيامة، والحساب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام، وانهمكوا إنهماك الأنعام. وهؤلاء أيضاً زنادقة، لأن أصل الإيمان هو: الإيمان بالله واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله وصفاته،.والصنف الثالثالإلهيونوهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق، وهذَّب لهم العلوم، وحرر لهم ما لم يكن محرراً من قبل، وأنضج لهم ما كان فجاً من علومهم، وهم بجملتهم، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية، والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم " وكفى الله المؤمنين القتال " بتقاتلهم. ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين، رداً لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم، وبدعتهم، بقايا لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين. كابن سينا والفارابي وأمثالهما. على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط، يتشوش فيه قلب المطالع، حتى لا يفهم، وما لا يُفهم كيف يرد أو يقبل؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام: 1 - قسم يجب التفكير به.2 - وقسم يجب التبديع به.3 - وقسم لا يجب إنكاره أصلاً، فلنفصله.أقسام علومهمأعلم: أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخلقية.أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفياً وإثباتاًِ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان: الأولى: من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه.وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقاً في كل صناعة، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقاً في الطب، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلاً بالنحو، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه. فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحد بالتقليد، ولم يقع منه موقع القبول، بل تحمله غلبة الهوى، والشهوة الباطلة، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها. فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى.الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم. فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حباً وللإسلام بغضاً، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. وقوله صلى الله عليه وسلّم: " إن الشمس والقمر آيتان من آياتِ الله تعالى لا ينخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة " .وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر، واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص، أما قوله عليه السلام: " لكن الله إذا تجلى لشيءْ خضع لهُ " فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلاً. فهذا حكم الرياضيات وآفتها. وأما المنطقيات: فلا يتعلق شيء منها بالدين نفياً وإثباتاً، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمات البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه. وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر، بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات، ومثال كلامهم فيها قولهم: إذا ثبت أن كل " أ " " ب " لزم أن بعض " ب " " أ " " ي " إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان، ويعبرون عن هذه بأنه الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية. وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر؟ فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الإنكار، نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطاً يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل، وربما ينظر في المنطق أيضاً من يستحسنه ويراه واضحاً، فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين، فيستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية. فهذه الآفة أيضاً متطرقة إليه.3 - وأما علم الطبيعيات: فهو بحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة: كالماء والهواء والتراب والنار، وعن الأجسام المركبة، كالحيوان والنبات والمعادن، وعن أسباب تغيرها وامتزاجها، وكذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان، وأعضائهم الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجه وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضاً إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة، وذكرناها في كتاب تهافت الفلاسفة وما عداها مما يجب المخالفة فيها، فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها، وأصل جملتها: أن تعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها. والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته.4 - وأما الإلهيات: ففيها أكثر أغاليطهم، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس فيها من مذاهب الإسلاميين، على ما نقله الفارابي وابن سينا، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلاً، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت أما المسائل الثلاث، فقد خالفوا فيها كافة المسلمين وذلك في قولهم: 1 - إن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية.ولقد صدقوا في إثبات الروحانية: فإنها كائنة أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.2 - ومن ذلك قولهم: " إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات " ، فهو أيضاً كفر صريح، بل الحق أنه: " لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السمواتِ ولا في الأرضِ " .3 - ومن ذلك قولهم: يقدم العالم وأزليته، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل. وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم: إنه عليم بالذات، ولا يعلم زائد على الذات وما يجري مجراه، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك.وقد ذكرنا في كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ما يتبين به فساد رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه.5 - وأما السياسيات: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية، والإيالة السلطانية، وإنما أخذوه من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء عليهم السلام.6 - وأما الخلقية: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها، وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبها، وآفات أعمالها ما صرحوا بها، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلاً بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتأهلين لا يخلي الله سبحانه العالم عنهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركاتهم تنزل الرحمة على أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال صلى الله عليه وسلّم: " بهم تمطرون، وبهم ترزقون " ومنهم كان أصحاب الكهف وكانوا في سالف الأزمنة، على ما نطق به القرآن، فتولد من مزجهم كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان: آفة في حق القابل، وآفة في حق الراد.1 - أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة: إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدوناً في كتبهم، وممزوجاً بباطلهم، ينبغي أن يهجر ولا يذكر بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولاً منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل، لأن قائله مبطل، كالذي يسمع من النصراني قوله: " لا إله إلا الله، عيسى رسول الله " فينكره ويقول: " هذا كلام النصارى " ، ولا يتوقف ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن لم يكن كافراً إلا باعتبار إنكاره، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضاً حقاً عنده. وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب " رضي الله عنه، حيث قال: لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله، والعارف العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول: فإن كان حقاً قبله سواء كان قائله مبطلاً أو محقاً، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال، عالماً بأن معدن الذهب الرغام. ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج. مهما كان واثقاً ببصيرته، ويمنع - من ساحل البحر - الأخرقُ، دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع. ولعمري! لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال العقل، وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل والهدى عن الضلال وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلال ما أمكن، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلاً، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها. ولقد اعترض - على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين - طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية، وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولاً في نفسه، مؤيداً بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلم ينبغي أن يهجر ويترك؟! فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل، للزمنا أن نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلّم وحكايات السلف، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب إخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهداً بها ومستدرجاً قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطل، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم. وأقل درجات العالم: أن يتميز عن العامي الغمر.فلا يعاف العسل، وإن وجده في محجمة الحجَّام، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع عنه مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار، وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق. فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم، قبلوه وإن كان باطلاً، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقاً، فأبداً يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال! هذه آفة الرد.2 - والآفة الثانية آفة القبول: فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسن اعتقاده فيها، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظنه مما رآه استحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل. ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيَّات، يجب صون الأسماع عن مختلط الكلمات، وكما يجب على المعزّم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل، إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله، بل يجب عليه أن يحذّره منه، بأن يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله، وكما أن المعزّم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بني الترياق والسم، واستخرج منها الترياق وأبطل السم، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه. وكذا الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في كيس القلاب، وأخرج منه الإبريز الخالص، وطرح الزيف والبهرج، فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه، فكذلك العالم. وكما أن المحتاج إلى الترياق، إذا اشمأزت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم وجب تعريفه، والفقير المضطر إلى المال، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض، هو سبب حرمانه الفائدة التي هي مطلبه، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفاً، كما لا يجعل الزيف جيداً، فكذلك قرب الجوار بين الحق الباطل، لا يجعل الحق باطلاً، كما لا يجعل الباطل حقاً، فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها.مذهب التعليم وغائلتهثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضاً غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات، وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعنّ لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطّلع على ما في كنانتهم. ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم. فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثاً من خارج، ضميمة للباعث من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكذلك قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر، لا على المنهاج المعهود من سلفهم. فجمعت تلك الكلمات، ورتبتها ترتيباً محكماً مقارناً للتحقيق، واستوفيت الجواب عنها، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم، فقال: هذا سعي لهم، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها، وترتيبك إياها. وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض فقال أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فيم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنه؟ وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم، ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها، ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلي، بعد أن كان قد التحق بهم، وانتحل مذهبهم، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم، ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم، فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم، فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها.والمقصود، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان.والحاصل: أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم، ولولا سوء نصرة الصديق الجاهل، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة، ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم، وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به، فجاحدوهم في دعواهم: الحاجة إلى التعليم والمعلم، وفي دعواهم أنه: لا يصلح كل معلم، بل لا بد من معلم معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم والمعلم، وضعف قول المنكرين في مقابلته، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم وضعف مذهب المخالفين، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله بطريقه، بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصوماً، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلّم فإذا قالوا: هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب فإذا قالوا: معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول: ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى: " اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكمْ نعمتي " ، وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا يضر غيبته.فبقي قولهم: كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبالنص ولم تسمعوه، أم بالإجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليمن. أن نحكم بالنص عند وجود النص، وبالإجتهاد عند عدمه. بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن يحكم بالنص، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية، ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات، وفات الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة، فيفوت وقت الصلاة. فإذن، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال: إن المخطيء في الاجتهاد له أجرٌ واحدٌ وللمُصيبِ أجران فكذلك في جميع المجتهدات، وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير، فربما يظنه فقيراً باجتهاده وهو غني باطناً بإخفائه ماله، فلا يكون مؤاخذاً به وإن أخطأ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه. فإن قال: ظن مخالفهِ كظنه فأقول: هو مأمور باتباع ظن نفسه، كالمجتهد في القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال: فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله أم غيرهما؟ فأقول: فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة الأفضل الأعلم بدلائل القبلة، فيتبع ذلك الاجتهاد، فكذلك في المذاهب فرد الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياءُ والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:" أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " . أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود، وربما أخطأوا فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فيكف يطمع في ذلك؟. ولهم ها هنا سؤالان: أحدهما قولهم: هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد، إذ المخطئ فيه غير معذور، فكيف السبيل إليه؟ فأقول: قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة، وما وراء ذلك من التفصيل، والمتنازع فيه، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم. وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم " فإن قال: خصومك يخالفونك في ذلك الميزان فأقول: ولا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه، ولا يخالف فيه أهل المنطق، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات، وبه يعرف الحق في الكلاميات. فإن قال: فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق؟، فأقول: لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم، وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعاً لو أصغوا ولا يصغون إليه بأجمعهم! بل قد أصغى إلي طائفة، فرفعت الخلاف بينهم.وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم، فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم لم يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهراً، فلم لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد، وقطع الطرق، والإغارة على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف من الخلاف ما لم يكن بمثله عهد. فإن قال: ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة، والاختلافات المتقابلة، لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك، ولا فرق بينك وبينهم وهذا هو سؤالهم الثاني، فأقول: وهذا أولاً ينقلب عليك، فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير: بما صرت أولى من مخالفيك، وأكثر أهل العلم يخالفونك؟ فليت شعري! بماذا تجيب؟ أتجيب بأن تقول: إمامي منصوص عليه، فمن يصدقك في دعوى النص، وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص، فإن كان متحيراً في أصل النبوة، فقال: هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى عليه السلام فيقول: الدليل على صدقي أني أحيي أباك، فأحياه، فناطقني بأنه محق، فبماذا أعلم صدقه؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى عليه السلام بهذه المعجزة، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي، والنظر العقلي لا يوثق به عندك، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده. وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفه! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي ينكرها، وخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلاباً عظيماً لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جواباً لم يقدروا عليه. وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم، فلم يشتغلوا بالقلب بل بالجواب. وذلك مما يطول فيه الكلام، وما لا يسبق سريعاً إلى الإفهام، فلا يصلح للإفحام. فإن قال قائل: فهذا هو القلب، فهل عنه جواب؟ فأقول: نعم! جوابه أن المتحير لو قال: أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها، يقال له: أنت كمريض، يقول: أنا مريض ولا يعين مرضه ويطلب علاجه فيقال له: ليس في الوجود علاج للمرض المطلق، بل لمرض معين. من صداع أو إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه، فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة، التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق، ويفهم منه أيضاً صحة الوزن، كما يفهم متعلم علم الحساب، نفس الحساب، وكون المحاسب المعلم عالماً بالحساب وصادقاً فيه. وقد أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة، فليتأمل.وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري أولاً، وفي كتاب حجة الحق ثانياً، وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد، وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلاً ثالثاً، وهو جواب كلام عرض علي بهمدان، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعاً، وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس، وفي كتاب القسطاس المستقيم خامساً، وهو كتاب مستقل مقصوده أن هؤلاء، ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها، فضلاً عن القيام بحلّها! فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، وقالوا: إنه لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به، ولم يتعلموا منه شيئاً أصلاً، كالمتضمخ بالنجاسة، يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله، وبقي متضمخاً بالخبائث. ومنهم من ادعى شيئاً من علمهم، فكان حاصل ما ذكره شيئاً من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل، ومذهبه أرك مذهب الفلسفة، وقد رد عليه أرسطاطاليس، بل استدرك كلامه واسترذله، وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة.فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغيث، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضاً جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام، وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال: هات علمه وأفدنا من تعليمه! وقف وقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه، فإنما غرضي هذا القدر فقط. إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات، بل عجز عن فهمه، فضلاً عن جوابه. فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم نفضنا اليد عنهم أيضاً.طرق الصوفيةثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنا تتم بعلم وعمل، وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغيرهم من المشايخ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع. فظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن تكون صحيحاً وشبعان؟ وبين أن تعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن تكون سكران! بل السكران لا يعرف حد السكر، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء. الطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها، وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن تكون حالك الزهد، وعزوف النفس عن الدنيا!.فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها. وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله، قطع علاقة القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق. ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة.ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل! فإن لم تستعد الآن للآخرة، فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار! ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة.فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجبي المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذراً أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبداً. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب ديني، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم. ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، وترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، ولكونه وقفاً على المسلمين. فلم أر في العالم مالاً يأخذه العالم لعياله أصلح منه. ثم دخلت الشام، وأقمت به قريباً من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة، والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من كتب الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، وثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة، وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت في داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه، وفسرت إلى الحجاز، ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، فآثرت العزلة به أيضاً حرصاً على الخلوة، وتصفية القلب للذكر.وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعيشة، تغير في وجه المراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أقوات متفرقة. لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها.ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به. إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة، طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟!وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها. وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه.وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب، يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ. وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب المقصد الأسنى. بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:وكان ما كان مما لستُ أذكرهُ ... فظنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئاً بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم، وكرامات الأولياء، هي على التحقيق، بدايات الأنبياء. وكان ذلك أول حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل إلى جبل حراء حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: إن محمداً عشق ربه.وهذه الحالة، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها. فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع، وإن أكثر الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقيناً. ومن جالسهم، استفاد منهم هذا الإيمان فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقيناً بشواهد البرهان، على ما ذكرناه في كتاب عجائب القلب من كتب إحياء علوم الدين. والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان.فهذه ثلاث درجات: " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٌ " . ووراء هؤلاء قوم جهال، هم المنكرون لأصل ذلك، المتعجبون من هذا الكلام، ويستمعون ويسخرون، ويقولون: العجب! إنهم كيف يهذون! وفهيم قال الله تعالى: " ومنهم من يسمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم فأصمهُم وأعمى أبصارهم " .ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم، حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها.حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليهااعلم: أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة، خلق خالياً ساذجاً لا خير معه من عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما قال: " وما يعلم جنودُ ربك إلا هو " وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني بالعوالم، أجناس الموجودات.فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناساً من الموجودات: كالحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين، والخشونة، وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعاً، بل هلي كالمعدوم في حس اللمس.ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال، وهو أوسع عالم المحسوسات. ثم ينفتح له السمع، فيسمع الأصوات والنغمات، ثم يخلق له الذوق. وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطور وجوده. فيدرك فيه أموراً زائدة على عالم المحسوسات، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس. ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز. من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، وحكي له ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقربها. وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب، إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشياً عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.والشك في النبوة، وإما أن يقع في مكانها، وأو في وجودها ووقوعها، وأو في حصولها لشخص معين.ودليل إمكانها ووجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان، أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها. وما ذكرنا فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك نموذجاً منها، وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلاً.وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم. وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير. بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق صلى الله عليه وسلم في قوله: " من عمل بما علم ورثهُ الله علم ما لم يعلم " ويكف صدق في قوله: " من أعان ظالماً سلطهُ الله عليهِ " وكيف صدق في قوله: " من اصبح وهُمُومُهُ همٌّ واحدٌ الله تعالى هُمُومَ الدنيا والآخرةِ " .فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعباناً، وشق القمر، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه " يُضِلُّ من يَشَاءُ ويَهدي من يشاءُ " .وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي.وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من حقيقة النبوة، كاف في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه الحاجة إليه.سبب نشر العلم بعد الإعراض عنهثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريباً من عشر سنين، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني ومرة بالقبول الإيماني: أن للإنسان بدناً وقلباً، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو " إلا من أتى الله بقلب سليم " وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: في قلوبهم مرضٌ " وأن الجهل بالله سم مهلك، وأن معصية الله بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، ولا يخلو عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولاً هي أركانها وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات.وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل وتصرفه، إن عرفنا ذلك، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين النبوة، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى العقائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه.فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة والعزلة، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في العمل بما شرحته النبوة، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق، فنظرت إلى أسباب فتور الخلق، وضعف إيمانهم، فإذا هي أربعة: 1 - سبب من الخائضين في علم الفلسفة.2 - وسبب من الخائضين في طريق التصوف.3 - وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم.4 - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس. فإني تتبعت مدة آحاد الخلق، أسألُ من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له: مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا، فهذه حماقة، فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن، فأنت كافر، فدبر نفسك في طلب الإيمان، وانظر سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطناً، وهو سبب جرأتك ظاهراً، وإن كنت لا تصرح به تجملاً بالإيمان وتشرفاً بذكر الشرع.فقائل يقول: إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى. وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جراً إلى أمثاله. وقائل ثان: يدعي علم التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغاً ترقى عن الحاجة إلى العبادة!.وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف.وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل، والطريق متعسرة والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي. والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له، فكيف أدع اليقين بالشك؟ وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليداً، ولكنني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير، مستغن فيها عن التقليد!.هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم، وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي. وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام.وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعاً من الفسق والفجور، وإذا قيل له: إن كانت غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: لرياضة الجسد، ولعادة أهل البلد، وحفظ المال والولد. وربما قال: الشريعة صحيحة، والنبوة حق فيقال: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها: إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب تلهياً بل تداوياً وتشافياً فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان، والتزام العبادات، أن استثنى شرب الخمرة لغرض التشافي، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم، وقد انخدع بهم جماعة، وزادهم انخداعاً ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاهدة علم الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل.فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان إفضاح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء، ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، وأعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء. وانقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك! ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة الخلق، عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنَّى تقاومهم فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين قاهر.فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة. فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه، لا بتحريك من خارج. فأمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة، وبلغ الإلزام حداً كان ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله سبحانه وتعالى يقول:بسم الله الرحمن الرحيم " ألم. أحسب الناسُ أن يتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذينَ من قبلهم " ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه " ولقد كذبت رسلٌ من قبلكَ فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من نبأ المرسلين " ويقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم " يس والقرآن الحكيم.. إلى قوله إنما تنذرُ من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيبِ " فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة، والخروج من الزاوية، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة، وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة فاستحكم الرجاء. وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مئة، ويسر الله الحركة إلى نيسابور، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سن تسع وتسعين وأربع مئة، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة، كما لم يكن الخروج من بغداد، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلاً بالبال، والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن " وأنا أعلم أني، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي. أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه.هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري، ولست أدري أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأني لم أتحرك، ولكنه حركني، وإني لم أعمل، لكنه استعملني، فأساله أن يصلحني أولاً، ثم يصلح بي، ويهدني ثم يهدي بي وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان بذلك طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم. أما الذين ادعوا الحيرة من أهل التعليم فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا نطول بذكره في هذه الرسالة.وأما ما توهمه أهل الإباحة، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في كيمياء السعادة.وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة، حتى أنكر أصل النبوة، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة، بدليل وجود عمل خواص الأدوية والنجوم وغيرهما. وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا الدليل من خواص الطب والنجوم، لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلاً من نفس علمه برهان النبوة.وأما من أثبت النبوة بلسانه، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على التحقيق كافر بالنبوة، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص، ويقتضي طالعه أن يكون متبوعاً، وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات، فإن لم يجوّز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على وجوده. وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هنا أموراً تسمى خواص، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلاً، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها. فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته والذي يدعي علم الطبيعة، يزعم أنه ما يبرد من المركبات، إنما يبرد بعنصري الماء والتراب فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالاً من الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد. فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه، لقال: هذا محال، والدليل على استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة، فنقدر الكل ماء وتراباً، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهاناً! وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، ومبني على هذا الجنس! فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وربما لم يألفوه قدروا استحالته، ولو لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة، وادعى مدعٍ، أنه عند ركود الحواس، يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول. ولو قيل لوا حد: هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء، هو بمقدار حبة يوضع في بلدة، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئاً من البلدة وما فيها، ولا يبقى هو نفسه؟ لقال: هذا محال وهو من الخرافات! وهذه حالة النار، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها. وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل. فنقول للطبيعي: قد اضطررت أن تقول في الأفيون خاصية في التبريد، ليست على قياس المعقول بالطبيعة. فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص، في مداواة القلوب وتصفيتها، ما لا يدرك بالحكمة العقلية، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة؟ قد اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم، وهي من الخواص العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل: يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها. وتضعها تحت قدميها، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك وأوردوه في عجائب الخواص وهو شكل فيه تسعة بيوت، ويرقم فيها رقوماً مخصوصة، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو على التأريب.ب ط د 2 9 4 ز ه ج 7 5 3 و ا ح 6 1 8 فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين، والظهر بأربع، والمغرب بثلاث، وهو لخواص غير معلومة بنظر الحكمة وسببها اختلاف هذه الأوقات. وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة. والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لعقلوا اختلاف هذه الأوقات، فنقول: أليس يختلف الحكم في الطالع، بأن تكون الشمس في وسط السماء، أو في الطالع أو في الغارب، حتى يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار والآجال، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء، ولا بين المغرب وبين كون الشمس في الغارب، فهل لتصديق ذلك سبب، وإلا أن ذلك يسمعه بعبارة منجم ، لعله جرب كذبه مئة مرة. ولا يزال يعاود تصديقه، حتى لو قال المنجم له: إذا كانت الشمس في وسط السماء ونظر إليها الكوكب الفلاني، والطالع هو البرج الفلاني، فلبست ثوباً جديداً في ذلك الوقت قتلت في ذلك الثوب! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت، وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم وقد جرب كذبه مرات!.فليت شعري! من يتسع عقله لقبول هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص - معرفتها لبعض الأنبياء - فيكف ينكر مثل ذلك، فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات، لم يعرف قط بالكذب! ولم لا يتسع لإمكانه؟ فإن أنكر فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد الركعات، ورمي الجمار وعدد أركان الحج، وسائر تعبدات الشرع، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقاً أصلاً. فإن قال: وقد جربت شيئاً من النجوم وشيئاً من الطب، فوجدت بعضه صادقاً، فانقدح في نفسي تصديقه وسقط من قلبي استبعاده ونفرته، وهذا لم أجربه به، فبم أعلم وجوده وتحقيقه؟ وإن أقررت بإمكانه؟ فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك.على أني أقول: وإن لم تجربه، فيقضي عقلك بوجوب التصديق والإتباع قطعاً. فإنا لو فرضنا رجلاً بلغ وعقل ولم يجرب المرض، فمرض، وله والد مشفق حاذق بالطب، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل، فعجن له والده دواء، فقال: هذا يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك. فماذا يقتضيه عقله، وإن كان الدواء مراً كريه المذاق، أن يتناول أن يكذب؟ ويقول: أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء، ولم أجربه! فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك! وكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك! فإن قلت: فيم أعرف شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بهذا الطب؟ فأقول: وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمراً محسوساً؟ بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علماً ضرورياً لا تتمارى فيه.ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري، بأن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب الغيب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان، فظهر ذلك كما ذكره، علم علماً ضرورياً أنه بلغ الطور الذي وراء العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، والأمور التي لا يدركها العقل. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم.فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار، تعرف ذلك بالعيان. وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.وأما السبب الرابع - وهو ضعف الإيمان بسبب سيرة العلماء فيداوي هذا المرض بثلاثة أمور: أحدهما: أن نقول: إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ومعرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر، ولحم الخنزير والربا، بل بتحريم الغيبة والكذب والنميمة، وأنت تعرف ذلك وتفعله، لا لعدم إيمانك بأنه معصية، بل لشهوتك الغالبة عليك، فشهوته كشهوتك، وقد غلبته كما غلبتك، فعلمه بمسائل وراء هذا يتميز به عنك، لا يناسب زيادة زجر عن هذا المحظور المعين.وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد، وإن زجره الطبيب عنه! ولا يدل ذلك على أنه ضار أو على الإيمان بالطب غير صحيح، فهذا محمل هفوات العلماء، والثاني أن يقال للعامي: ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخراً لنفسه في الآخرة، ويظن أن علمه ينجيه، ويكون شفيعاً له حتى يتساهل معه في أعماله، لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه، فهو يجوز أن يكون زيادة درجة له وهو ممكن. فهو وإن ترك العمل، يدلي بالعلم. وأما أنت أيها العامي! إذا نظرت إليه وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل، فتهلك بسوء عملك ولا شفيع لك.الثالث: هو الحقيقة، أن العالم الحقيقي لا يقارف معصية إلا على سبيل الهفوة، ولا يكون مصراً على المعاصي أصلاً. إذ العلم الحقيقي ما يعرف أن المعصية سهم مهلك، وأن الآخرة خير من الدنيا. ومن عرف ذلك، لا يبيع الخير بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر الناس. فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى. وأما العلم الحقيقي، فيزيد صاحبه خشية وخوفاً ورجاء، وذلك يحول بينه وبني المعاصي إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات وذلك لا يدل على ضعف الإيمان. فالمؤمن مفتن تواب وهو بعيد عن الإصرار والإكباب.هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما، لا بطريقه.نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه، وأرشده إلى الحق وهداه، وألهمه ذكره حتى لا ينساه، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه، واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

من مدونة الفلكى احمد شاهين ....

هياكل الإنسان السبعة [أشكالها وتجلياتها]

النظام الشمسي سباعي المستويات، وكل يحوي سبعة مستويات تحتية، فعلى المستوى الفيزيائي، تشكل المستويات التحتية الأكثف ما ندعوه بـالجسم المادي، أو الفيزيقي، وهو جسم مادي كثيف. أما المستويات التحتية الأقل كثافة على المستوى الفيزيقي فتشكل ما ندعوه بـالجسم الأثيري، أو طاقة الحياة، برانا prana. أما على المستوى النجمي astral، فالإنسان يمتلك فقط جسمًا نجميًا واحدًا يتشكل من ذرات المستوى النجمي. وعلى المستوى العقلي، تشكل المستويات التحتية الكثيفة ما ندعوه بـالجسم العقلي الأدنى أو الجسم الرغائبي kama rupa. والمستويات الأكثر شفافية تشكل الجسم العقلي الأعلى أو ماناس manas. وعلى المستوى الإشراقي بودهي buddhi، وعلى المستوى الروحي، يتشكل الجسم الروحي أو آتما atma. وعلى المستويات التحتية الكثيفة من مستوى آتما تبدو الشعلة الإلهية، الموناد Monad، وكأنها منفصلة عن الشمس الإلهية. ويتحول الوعي الكوني إلى وعي فردي؛ بينما على المستويات التحتية الأكثر شفافية تبقى الشعلة الإلهية، الموناد، متجذِّرة في المركز الإلهي. ومن جهة ثانية، ففي وسط المستوى الجرمي المادي توجد نقطة الاتصال بين المرئي وغير المرئي. وكذلك في وسط المستوى النجمي astral توجد نقطة الاتصال بين الشخصية أو الذات الدنيا، المؤلفة من الجسم الجرمي والأثيري والنجمي والرغائبي، وبين الفردية Individuality أو الذات العليا Higher Self، المؤلفة من الجسم العقلي والإشراقي والروحي Atma، وكذلك في وسط المستوى الروحي Atma توجد نقطة الاتصال بين الفردية والشعلة الإلهية، الموناد.

الإنسان يحوي بداخله الموناد، والفردية، والشخصية. فالفردية هي انعكاس للموناد، وهي ما يؤلف الكائن الروحي. أما الشخصية فهي انعكاس الانعكاس، أي هي انعكاس للفردية التي تستعملها كأداة تجسُّد لزمن لا يتعدى مدة تجسُّد أرضي واحدة. ففي نهاية كل تجسد أرضي، يموت الجسم الجرمي الفيزيقي، ويتبعه بعد فترة زمنية، كلٌّ من الجسمين الأثيري والنجمي. والأمر نفسه يحدث للجسم الرغائبي الذي يتلاشى بعد فترة من الوقت.

قد يتراءى لنا أن التركيب السباعي لأجسام الإنسان معقد، ولكن يجب ألا ننسى أن الوعي الذي يعبِّر عن نفسه من خلال هذه الأجسام هو وعي واحد. فعندما يعمل الوعي من خلال الجسم الإشراقي، مثلاً، يصير مقيدًا باهتزازات هذا المستوى ويبدو كوعي إشراقي. ويمتد هذا الوعي إلى السماوي، آتما Atma. وعندما يعمل الوعي من خلال الجسم العلِّي Causal body فإنه يصبح وعيًا للعقل الأعلى Manas. وعندما يندمج الجسم العقلي الأدنى يصبح وعيًا للجسم الرغائبي ويظهر كفكر. وباتحاد الوعي بالجسم النجمي يتحول إلى أحاسيس. ومع الجسم المادي يصير الوعي حركة وفعل. إذًا فالوعي واحد، لكنه يتجلَّى بطرق مختلفة بحسب “المركبة” أو الجسم الذي يعمل من خلاله.

في الشخصية، حيث تصل الإشراطات إلى ذروتها، ينسى الوعي أصوله الإلهية، ويعتبر الإنسان نفسه منفصلاً عن الكون. ولكن بتنقية هذه الأجسام يبدأ بإدراك أن هذه الشخصية هي عبارة عن أداة تستعملها الفردية Individuality للعمل على المستويات الدنيا. وفيما يتعلق بالفردية نفسها فإن لديها الوعي بأنها من طبيعة إلهية وبأنها، بالتالي، خالدة لأنها انعكاس للموناد. ولكن في نهاية التطور الكوني ينعدم وجود الفردية، لأنها في الأساس كانت لها بداية وستكون لها نهاية، ما عدا الأتما الروحي الذي هو فعلاً أساس الفردية الحقيقية لأنه فوق الزمن، وهو شعاع من الشمس الإلهية.

في نهاية كل تجسُّد، يقوم الجسم العِلِّي بهضم كل الخبرات المكتسبة أثناء الحياة الأرضية السابقة. وتتزايد معارف الفردية، وكذلك الأمر بالنسبة للشعلة الإلهية، الموناد، التي يجب عليها في نهاية المطاف أن تبلغ وعي الذات Self-consciousness. وهذه هي الغاية الأساسية من رحلتها السرمدية. ومن جهة ثانية، فإن صيرورة التطور هي المساعدة على التفتح والوعي. وعملنا يتلخص في تنقية هذه الأجسام المختلفة التي تحد من تفتح الوعي بسبب إشراطاتها، ومحاولة نقل مركز الوعي من الشخصية إلى الفردية، ومن الفردية إلى الموناد. إذ إنه في التطور الإنساني الفائق ينتقل مركز الوعي من المستويات الروحية إلى المستويات الإلهية، ومن الفردية إلى الموناد، الشعلة الإلهية.

وعندما نتكلم على مستويين “أعلى” و”أدنى”، يجب أن ننتبه إلى أن الفردية ليست فوق الشخصية، بل تحاذيها أو تتخللها، لأن الفردية وُجِدَتْ قبل الشخصية؛ ولذلك ففي هذا “الداخل” أو الباطن، وليس في الـ”ما فوق”، يجب أن نبحث عن الشعلة الإلهية. وعندما نتكلم على الأغلفة أو الأجسام التي تحيط بالشعلة الإلهية فليس المقصود أن هذه الأجسام تعوق “راحة” هذه الشعلة وأننا يجب أن نهمل أجسامنا، لأن الأجسام نفسها من مصدر إلهي، وكل شيء في الوجود إلهي الجوهر؛ وما عمل هذه الأجسام إلا حماية الموناد أو الشعلة الإلهية. وعدم معرفتنا بهذه الحقيقة يجعلنا نتوهم أن المركبات الجسمية هي عائق للتطور. لكن كل ما علينا عمله للإسراع في تفتح الوعي بداخلنا هو ترك الإلهي يُعبِّر عن نفسه من خلال أفكارنا وأحاسيسنا وأفعالنا – وهذه هي الغاية الأولى من التجسد الأرضي. ويكون ذلك بتطهير أفكارنا من الشوائب، وبمزيد من الغيرية نحو الأكثر ضعفًا وبؤسًا بين البشر، وبمزيد من المحبة نحو الآخرين.

فلنسلط الآن الضوء على المركبات المكوِّنة للإنسان:

الجسم المادي: يجب أن نتجنب الاعتقاد بأن ثنائية الوعي والطاقة إنما تعبِّر عن التضاد بين الروح والمادة، وبأنها تعبير عن الإشكال الفلسفي الواقع بين الماديين والروحيين على أن الماديين الحقيقيين هم أولئك الذين يرون العالم بواسطة أعضاء الحواس وحسب، ويرفضون القبول بوجود مستويات وعوالم ألطف اهتزازًا بحيث لا نراها بالعين المجردة؛ بينما الروحانيون الحقيقيون لا يديرون ظهورهم للحواس الخمس، وإنما يعتبرونها التجلِّي الأكثر ظاهرية لحقيقة لا يزال وجهها الباطني مستورًا ومخفيًا عن عيوننا. وعندما ندرك تمام الإدراك موقع الجسم الجرمي المادي في الكون ودورة العالم ، فإننا سنوجِّه اهتمامًا أكبر له، لأنه الأساس الذي نستطيع من خلاله رؤية العالم خارجيًا وإقامة الصلة ما بين العالم الخارجي والعالم الباطني.

“جسمك هو حصانك الذي تمتطيه”، ولهذا تجب معاملته جيدًا والاعتناء به. الفارس الأصيل هو ذاك الذي يحب حصانه، وبمحبته له، يعرف حاجاته، وكيفية قيادته ليقوم بالعمل المطلوب منه. والأمر نفسه ينطبق على الجسم الفيزيقي الجرمي؛ فإذا أردناه ألا يكون عقبة لنا في أبحاثنا الروحية، يجب أن نحبه ونهتم لاحتياجاته، لأنه بالمحبة والاحترام للمملكة الإنسانية التي يعبِّر عنها الجسم الجرمي في أكثف اهتزازاتها، نصل إلى المستويات الشفافة في هذا المستوى الجرمي الذي يحيط بنا. فلكي نحب شيئًا ما يجب علينا معرفته. والعلم لا يعرف إلا القليل عن عمل الجسم الجرمي.

الجسم الجرمي، أو الجزء الكثيف منه، قد تشكَّل من المستويات التحتية الدنيا الثلاثة هي: الصلبة والسائلة والغازية. أما الجزء الأشف فقد تشكَّل من المستويات التحتية العليا الأربعة للمستوى الفيزيقي المادي، المدعوة بالمستويات الأثيرية. وبذلك نحصل على جسم جرمي كثيف نراه بالعين المجردة، وجسم أثيري غير منظور يرتبط بالجسم الجرمي. وهذا الجسم الأثيري هو ما ندعوه أيضًا بـالبرانا prana، أو الطاقة التي تمدُّ الجسم الجرمي بالطاقة الكونية وتحفظ له تماسكه أثناء الحياة الأرضية. ولكن الجسم الأثيري ليس له وعي خاص به؛ ويبقى مرتبطًا بالجسم الجرمي طوال الحياة. أما الجسمان النجمي والرغائبي فهما يغادران الجسم المادي أثناء النوم مع بقائهما مرتبطين به بواسطة حبل أثيري يدعى “الحبل الفضي” الذي سنأتي على ذكره عند دراستنا صيرورة الموت. ولكن بدون الجسم الأثيري يفقد الجسم المادي كل وظائفه الحيوية والعضوية؛ فكلا الجسمين يحتاج للآخر. أما عن عمل الجسم الأثيري فهو يتلخص في نقاط ثلاث:

1. الجسم الأثيري هو القالب أو النموذج الذي على أساسه تشكََّل الجسم الجرمي.

2. هو الموزع للطاقة الحيوية المستمدة من الشمس.

3. هو المركز حيث تتوضع التشاكرا chakra، أو مراكز الطاقة التي هي صلة الوصل بين الجسم المادي والجسم النوراني.

النقطة الأولى:

إن الشكل المادي للإنسان لم يُخلَق من تدخل عوامل مادية بحتة فقط، كالوراثة مثلاً، بل من فطنة إلهية ومن “نموذج إلهي” أنزلته كائنات روحية إلى المستوى المادي عند بدء كل تجسد جديد. فجسم الطفل المادي يتشكل بحسب نموذج أثيري تعطيه هذه الكائنات الروحية التي يدعوها الناس بالملائكة، وتدعوها الثيوصوفية بـ”سادة كارما”. وهذا الشكل هو أساسًا نتيجة الكارما Karma، أو نتائج أفعال الإنسان في حياته السابقة. فالجسم الجرمي الذي يتجسد فيه الإنسان عند ولادته يعود إلى نموذج أثيري ساهم الإنسان نفسه في صياغته خلال أعماره السابقة من خلال التأثيرات الفكرية الصالحة أو الطالحة التي شكلت ذرات الجسم الأثيري، النموذج الأساسي للتركيب الخلوي للجسم الجرمي.

النقطة الثانية:

الجسم الأثيري هو الموزِّع للطاقة الحيوية الصادرة عن الشمس والمنتشرة في الكون كله. وتدعى هذه الطاقة باسم برانا على المستوى الفيزيقي. البرانا موجود في كل المستويات في النظام الشمسي والكون، وبالتالي يوجد برانا نجمي، وبرانا عقلي، إلخ، لأن البرانا هو مبدأ الحياة وهو طاقة واعية تربط الوعي بالطاقة على كل مستوى. فعلى المستوى الفيزيقي، تقوم البرانا بتغذية الأعضاء والأعصاب وكل ما يوجد في الإنسان بالطاقة الحيوية؛ وهي المسؤولة عن تماسك الجزيئات المادية ليتشكل منها جهاز عضوي، وتساعد على نقل الأكسجين في الدم، وعلى هضم الطعام.

النقطة الثالثة:

إن عملية تلقي الإنسان للمعارف والإيحاءات من العوالم التي تتجاوز عالمنا الأرضي تتوقف على درجة الاهتزازات وشفافيتها. فكلما كان الإنسان ذا قدرة روحية سامية ازدادت لديه قدرة الاهتزازات الدماغية؛ وبالتالي يستطيع الدماغ أن يلتقط الموجات والاهتزازات القادمة من عوالم أرق ويختزنها في الذاكرة. فأثناء التأمل الداخلي أو في الحلم يكون “متوضعًا” في عالم ذي درجات اهتزازية عالية. ولكن إن لم يكن دماغه “متوضعًا” أيضًا على نفس درجة الاهتزاز السابقة في العالم الآخر فإنه لن يتذكر أي شيء من الحلم أو الرؤيا الروحية. ومن المعروف بأنه توجد أربعة موجات للدماغ هي:

1. الأولى: ألفا α؛ وهي تناسب حالات التأمل والاستغراق.

2. الثانية: بيتا β؛ وتظهر في حالة اليقظة الطبيعية وتترافق مع النشاط الذهني.

3. الثالثة: دلتا δ؛ وتُعتبَر الأبطأ بين الموجات الدماغية، وهي التي تتوافق مع حالة النوم العميق.

4. الرابعة: ثيتا θ؛ وتتوافق مع الأحلام.

الجسم الأثيري هو مكان استقرار التشاكرات Chakra، وهي مراكز نقاط التقاء بين الجسم الجرمي والجسم النجمي. وعندما تصبح هذه التشاكرات متطورة بما فيه الكفاية فإننا نستطيع بواسطتها أن نتذكر كل التجارب التي نمر بها في العالم النوراني أثناء النوم. وخلال دراستنا لصيرورة الموت وبدء تفكك الأجسام الدنيا للإنسان، سنذكر السبب الذي يدفع الهندوس إلى حرق جثمان الميت بدلاً من دفنه في المدافن.

تطور البشرية ووجودها على كوكب الأرض لم يحدث بشكل مفاجئ؛ الوجود عبارة عن انبثاق من المطلق. والجسم الجرمي قد تطور خلال مسيرة طويلة ولم يصل إلى ما هو عليه الآن إلا بعد مروره بمراحل تطورية، بدءًا من الذرية البشرية الأولي وحتى وصوله إلى جنسنا البشري الحالي، الذرية البشرية الخامسة.

مرَّت على كوكب الأرض أربع ذريات بشرية واندثرت. ففي الذريتين البشريتين الأولى والثانية كان الجسم الجرمي عبارة عن شكل هيولي لاعضوي. ولكن في الذرية البشرية الثالثة حصل الانقسام الجنسي الذي كان له الدور الكبير في التطور الإنساني. ولم يحصل الجسم الجرمي على شكله العضوي إلا في الذرية البشرية الرابعة؛ وعندها بدأ يتشكل جسمُ الرغبات والعقل العاطفي. ولا تزال بقايا الذرية البشرية الرابعة على كوكب الأرض، لأنه يوجد تداخل بين كل جنس بشري قديم وجديد، رغم اندثار أغلبية الذرية البشرية القديمة. وفي بداية الذرية البشرية الخامسة (الحالية) بدأ العقل Manas يلعب دورًا كبيرًا في تطور الإنسانية. ومع ذلك فلا تزال أمام الجسم الجرمي إمكانيات للتطور مستقبلية. فالعلم الغيبي Occult Science يقول لنا بأن الجسم المادي الجرمي سيحوز على الحاستين السادسة والسابعة خلال ظهور الذريتين البشريتين السادسة والسابعة القادمتين. فالجهاز العصبي سيطرأ عليه تغيير وسيصبح أكثر رقة وشفافية، خاصة فيما يتعلق بالدماغ. وكلنا يعرف بوجود الغدة النخامية في الدماغ، وكذلك الغدة الصنوبرية؛ وهاتان الغدتان لم تتطورا بما فيه الكفاية، أي أنهما لا تزالان تمتلكان إمكانيات هائلة في عملهما الحقيقي الذي لا يعرف عنه الطب الكثير؛ وهما ستفصحان عن كل إمكانيتهما أثناء تطور الحاستين السادسة والسابعة اللتين ستحوز عليهما الذريات البشرية القادمة. ولكننا نذكر أن الغدة الصنوبرية كانت في الأصل عضو الرؤيا الروحية، أو “العين الثالثة”، ولها ارتباط كبير جدًا بالمستويات والقدرات الروحية التي يحوزها الإنسان في حالة الكمون. والأبحاث التي أجريت على هذه الغدة دلت على امتلاكها مادة خاصة، وهي المادة التي تساعد على تطور الذكاء؛ وقد تبيَّن أن أكبر كمية من هذه المادة توجد في الغدة الصنوبرية لدى الإنسان، وبعده يأتي الشمبانزي ثم الدلفين. فكلما كانت الغدة الصنوبرية نامية عند كائن حي ازدادت إفرازاتها، وتطوَّر هذا الكائن أكثر من غيره من الكائنات الأخرى.

دراسة الجسم الجرمي ينبغي ألا تقتصر على مستوى الفضول الفكري، بل ينبغي أن تحفزنا على تغيير نظرتنا لهذا الجسم، على مستوى العقل والإحساس والفكر. فنحن لا ندرك كم نتماهى مع هذا الجسم الجرمي. فعندما تطلب معدتنا الطعام نقول: “أنا جائع!” وعندما تشعر المعدة بالتعب نقول: “معدتي تؤلمني!”. ولكن من هو الذي يشعر بالجوع أو الألم؟ هل هو الجسم الجرمي أم الذات؟! فما دمنا نستمر في التماهي مع الجسم الجرمي واعتباره الذات الحقيقية للإنسان فلن نستطيع السيطرة عليه وتوجيهه بطريقة مثالية، بحيث لا يكون عقبة أمام تطورنا الروحي. فلو قلت: “سوف أغذي جسمي المادي بالطعام” بدلاً من أن أقول: “سوف أتناول الطعام” فإن طبيعتي ونظرتي للطعام ستكون مختلفة تمامًا. وليس المقصود بذلك بأن نحرم أنفسنا من رغبة حسية ما، أو أن نعيش حالة تقشف، ولكن الهدف الرئيسي هو الإحساس بأننا منفصلين عن الحواس ومواضيع الحواس، والنظر إليها على حقيقتها، أي بكونها خارجية عن ذاتنا وليست هي “نحن”، وإدراك أن الحواس ليست إلا غطاء أو غلافًا يحيط بالذات الحقيقية التي هي “نحن”. فمن طبيعة الجسم الجرمي والنجمي والرغائبي العمل بطريقة آلية تلقائية؛ وهذه النزعة إلى التكرار الآلي للفعل هي التي تحد من الاستعمال الحر للجسم وتمنعه من “هضم” معارف جديدة. والتطور والتقدم للأمام يتطلب منا أن “نوقف” الكثير من هذه الآليات، وأن نعمل على امتلاك آليات جديدة أكثر رقيًا وشفافية.

نحن نعرف أن كل شيء في الكون هو عبارة عن اهتزاز؛ وتنقية الجسم الجرمي تعني جعله مؤهلاً لاستقبال وتلقي اهتزازات أكثر شفافية، والامتناع عن الرد على الاهتزازات الكثيفة التي تصدرها الأفكار السيئة والنوايا الخبيثة، ليس فقط في العالم الفيزيقي وإنما في أيضًا في العالمين النوراني والعقلي. ونحن نعرف أن خلايا الجسم تتجدد كل سبع سنوات. فإذا غيرنا طريقة تغذيتنا فإننا سنحصل بعد سبع سنوات على جسم مادي جديد قابل لتلقي اهتزازات أكثر شفافية. ذلك أن الطعام الذي نتناوله يتصف، ككل ما في الوجود، بخاصية اهتزازية: فبعض الأطعمة تسبب الخمول أو تثير الإنسان حسيًا؛ وبعضها الآخر يعيد التناغم للجسم الجرمي. ولذلك يجب أن نعرف نوعية الطعام الذي نتناوله لكي نحفظ للجسم حيويته واهتزازه الشفاف.

الجسم الجرمي مركبة إلهية؛ ولكي يستطيع التجاوب مع الاهتزازات الإلهية ينبغي أن يصبح حساسًا وأن يتمتع بشفافية عالية. ونحن نعرف أن مركز الإرهاف الحسي هو في الجهاز العصبي، وعلى الأخص في الدماغ. ولكي نصل إلى هذه الغاية، أي تأهيل الدماغ ليستطيع نقل المعارف من مستويات أكثر شفافية، يجب أن نجعله حساسًا ومرهفًا. وهذا يتم بواسطة التأمل والتركيز العقلي واليوغا والصلاة الباطنية الصامتة. فهدف التأمل هو تلقي الطاقة من مستويات عليا، وليس مغادرة المستوى المادي إلى مستويات أعلى! لنتخيل وجود محطة إذاعية عالمية ترسل برامجها، ونحن نملك جهاز راديو صغير. فعندما نوجه إبرة الراديو على الموجة 60، مثلاً، نحصل على إذاعة عمان، وبتغيير الموجة إلى 80، مثلاً، نحصل على إذاعة لندن، وهكذا دواليك. ولكن عندما نقوم بتدوير الإبرة عشوائيًا فإننا لا نحصل إلا على التشويش والأصوات المزعجة.

الأمر نفسه يحدث لنا: فلنتخيل، بدلاً من المحطة الإذاعية العالمية، وجود عقل كوني يبث المحبة والتعاليم الروحية، ولنشبِّه دماغنا بجهاز الراديو. وبطبيعة الحال فإننا لن نستلم أية “رسالة” من هذا العقل الكوني لأن الإبرة الموجودة في دماغنا مشغولة بالهموم المادية والجنسية والبغضاء؛ ولذلك فهي تتحرك عشوائيًا. ولكننا إذا بدأنا بالصلاة والتأمل والتركيز فإن الإبرة تتركز على نفس الموجة التي يبث عليها العقل الكوني محبته وتعاليمه؛ وعندئذ نبدأ بإدراك ما يريده الخالق منا، ونبدأ باستلام “الرسائل” منه. بمعنى آخر، يجب علينا أن ننقل مركز وعينا من الشخصية إلى الفردية. فهناك ثلاث حالات للوعي:

1. حالة الوعي الشخصي، المرتبط بالشخصية؛

2. حالة الوعي الروحي، المرتبط بالفردية؛

3. حالة الوعي الإلهي، المرتبط بآتما Atma نفسه.

وللسيطرة على الجسم الجرمي ينبغي علينا نقل مركز الوعي من الشخصية إلى الفردية، أي من مستوى الوعي الشخصي إلى مستوى الوعي الروحي.

الجسم النجمي: كما ذكرنا سابقًا فإن الإنسان ينطوي على سبع مركبات:

1. الجسم الفيزيقي physical: الجسم المادي.

2. الجسم الأثيري etheric: البرانا prana، طاقة الحياة.

3. الجسم النوراني astral.

4. الجسم العقلي الأدنى lower Manas: الجسم الرغائبي.

5. الجسم العقلي الأعلى higher Manas: الجسم العقلي.

6. الجسم البودهي Buddhi: الجسم الإشراقي.

7. الجسم الآتمي Atma: الآتما أو الروح.

الجسم العقلي الأعلى يدعى أحيانًا باسم الجسم السببي أو العِلِّي Causal body؛ ولكن ليست الأسماء هي الأهم، لأن هذه الأجسام السباعية ليست في الحقيقة متوضعة فوق بعضها البعض، بل هي متداخلة فيما بينها، يتخلل كل منها الآخر ويؤثر فيه ويتأثر به. ولذلك فإن كل تطهير لأحد الأجسام ينجم عنه تطهير للأجسام الباقية. وكما رأينا آلية عمل الجسم المادي، سندرس الآن الجسم النجمي:

الذات العليا، أو الفردية، لكي تعمل على المستويات الدنيا للتجلِّي، تستعمل الآليات التالية: الجسم المادي للفعل، النجمي للإحساس، والجسم الرغائبي (أي العقلي الأدنى) للتفكير. فالروحي لا يبدأ وراء المادي، بل يبدأ ما وراء الشخصية، أي بعد ما يُعتبَر الذات؛ ويجب عدم الخلط بين جسم شفاف (كالجسم النجمي) وبين جسم روحي (كالجسم العقلي أو الإشراقي). ومع ذلك، فإن العالم المادي والأثيري والنوراني عوالم مؤقتة وغير أبدية، مقارنة بالعوالم الروحية التي بدورها، عاجلاً أم آجلاً، ستزول عندما يهبط ليل براهما.

إذًا العالم النوراني هو أيضًا، مثل العالم المادي، عبارة عن تجلٍّ مؤقت؛ ولكنه مع ذلك، حقيقي ما دام يعبِّر عن الحقيقة الواحدة. والجسم النوراني، نظير الجسم المادي، متوقف أيضًا، في قدرته الاهتزازية للعمل وفي تركيبته الذرية، على التجسُّدات السابقة؛ وكونه قد تشكل من اهتزازات أكثر شفافية من اهتزازات الجسم المادي لا يعني أن له امتيازات روحية أو قيمة أخلاقية تتجاوز الجسم المادي. وعمله ليس أكثر سموًا من عمل الجسم المادي. وفي المحصلة، فإن الجسم النوراني والعقلي ليسا إلا أدوات مؤقتة ويخضعان أيضًا لقوانين محددة. وعدم رؤيتهما لا تعني أنهما عالمان غير منظمين. فالعالم المتجلِّي في كلِّيته هو Cosmos، أي “نظام شمسي”؛ أي هو عكس الخواء والفراغ Chaos. والقوانين التي تسيِّر العالمين النوراني والعقلي ثابتة ومنظمة بفطنة ووعي كونيين. وكما أن كل فعل له نتيجة أو رد فعل في العالم المادي، كذلك كل انفعال أو عاطفة أو إحساس له نتائجه في العالم النوراني، وكل فكرة لها نتيجة في العالم العقلي. إذًا قانون السببية، قانون السبب والنتيجة، يفعل بدقة على المستويات المادية والنورانية والعقلية. ولذلك ينبغي علينا ألا نقيم سُلََّمًا تدريجيًا من القيم، وبالتالي نعطي أهمية أكبر أو أفضلية أولية للنوراني على المادي، أو للعقلي على النوراني. ولكن بالنسبة للحكيم، أي الإنسان المتحرر من القيود والإشراطات، الذي أسَّس وعيه على المستوى الروحي، أي ما وراء الشخصية، نستطيع القول عنه إن مركباته الثلاث (الجسم المادي والنوراني والعقلي) لها الأهمية نفسها بدون تمييز.

وكما أن الجسم المادي قد تشكل من نسيج ذرات العالم المادي، كذلك الجسم النوراني تشكل من ذرات العالم النوراني ونسيجه. وحيث أن “النسيج” النوراني أو العالم النوراني يحوي سبع مستويات نورانية تحتية (ككل الأجسام)، بدءًا من المستويات النورانية الكثيفة إلى المستويات النورانية الشفافة، فإن قانون كارما هو الذي يحدد تركيبة الجسم النوراني في بدايات التهيؤ لتجسد أو تقمص جديد.

“كل كينونة إنسانية تحفظ، من حياة إلى حياة، مجموعة من الذرات الدائمة، واحدة لكل مستوى”. إذًا الذرة الدائمة للنوراني ستكون اللاقط لجوهر التجارب العاطفية للأعمار السابقة، وهي التي تشكل النواة التي يتشكل حولها الجسم النوراني الجديد وخصائص النسيج المأخوذ من العالم النوراني لصنع جسم نوراني جديد، محدد بالاهتزازات العاطفية والنفسية للتجسُّد السابق. وشكل الجسم النوراني شبيه بعض الشيء بشكل الجسم المادي، ولكنه أقل صلابة، نظرًا لشفافية النسيج النوراني الذي منه يتشكل الجسم النوراني. ولونه يختلف ليس فقط بين شخص وآخر، بل أيضًا لدى الشخص نفسه في لحظات متباينة من حياته وتلوُّن أمزجته، لأن الألوان تعكس تلقائيًا نوعية اهتزازات الجسم النوراني تبعًا للانفعالات والعواطف التي يعبِّر عنها الإنسان في علاقاته بالآخرين، من فرح وحزن وغضب، إلى ما هنالك من الانفعالات والعواطف الإنسانية.

“نسيج الجسم النوراني هو أكثر شبهًا بنسيج الجسم العقلي الأدنى منه بنسيج الجسم المادي، لأن الجسم النوراني هو صلة الوصل بين الجسم المادي والجسم العقلي الأدنى؛ ولذلك يتعرض للتأثيرات والاهتزازات من كليهما”. ففي شكله هو شبيه بالشكل المادي، لأن الجسم العقلي الأدنى بيضوي الشكل. أما من حيث وظيفته فهو قريب من وظيفة الجسم العقلي الأدنى، ولهذا السبب فهو أحيانًا صعب الانحلال والتفكك بعد الموت. ودراستنا للجسم النوراني تقتصر على وظيفته أثناء اليقظة فقط، وليس على الدور الذي يقوم به أثناء النوم أو بعد موت الجسم المادي. ولا يعود ذلك إلى عدم أهمية عمله أثناء النوم أو بعد الموت، بل إن السبب يعود إلى استحالة التغيير أو التحول للجسم النوراني إلا في حالة اليقظة، حيث بالإمكان تطويره وجعله أطهر وأوعى بطرق إرادية. أي أن العمل على تنقية الجسم النوراني أثناء اليقظة هو بهدف جعله أكثر قابلية للعمل أثناء النوم، وليس العكس؛ واستمرار حياته بعد موت الجسم المادي ليس إلا تكملة واستمرارًا لحياة الجسم المادي أثناء الحياة. فالجسم النوراني والعقلي الأدنى قد تشكلا من أجل مدة تجسد أو تقمص واحدة، أي في الحياة فقط، وحياتهما ما بعد موت الجسم المادي ليست إلا “ذيول” التجسد الأرضي، وإن استمرا مئات السنين في “حياتهما” بعد الموت (موت الجسم المادي). إذًا سندرس الجسم النوراني من منظارين:

1. في علاقته مع الجسم المادي والجسم العقلي الأدنى؛

2. وفي كونه مركبة لعواطفنا ورغباتنا وأداة لها.

ما هي إذن، وظائف الجسم النوراني في حياتنا؟ الجسم النوراني هو الذي يحوِّل الاهتزازات الآتية من المستوى المادي، بواسطة الحواس، إلى أحاسيس ومشاعر. فهذه الاهتزازات تنتقل إلى الدماغ المادي عن طريق الجهاز العصبي؛ ومن الدماغ المادي تنعكس على الدماغ الأثيري، ومنه إلى مراكز الجسم النوراني المطابقة لمراكز الدماغ، حيث تظهر على شكل أحاسيس. وبعد ذلك يقدِّر فيما إذا كانت هذه الأحاسيس ممتعة ومستحبة أو غير مستحبة؛ يحولها إلى مشاعر وعواطف. وأخيرًا يتمنى الجسم النوراني، تحت تأثير العقل، أو بالأحرى تحت تأثير الذاكرة، تكرار هذه الأحاسيس المستحبة وعدم تكرار الأحاسيس غير المستحبة. وبسبب “ولادة” هذه الرغبة، يكون من الصعب فصل الجسم النوراني عن الجسم العقلي الأدنى. ولكننا سندرسهما كلاً على حدة، على شرط أن نرسخ في فكرنا أن التشكيلات الأربعة للشخصية (المادي، الأثيري، النوراني، العقلي الأدنى) يؤثر كل منها في الآخر باستمرار.

بعد أن عرفنا دور الجسم النوراني، سندخل في الجزء الأهم، ألا وهو السيطرة على هذا الجسم وكيفية تطهيره وتنقيته ليصبح أكثر فعالية في حياتنا اليومية.

رأينا، لدى دراستنا للجسم المادي، إلى أية درجة نتماهى مع هذا الجسم ونطابق بينه وبين هويتنا الحقيقية. وقد أدركنا ضرورة تصحيح نظرتنا إلى نظرة جديدة عند اكتشافنا أن الجسم المادي ليس “نحن”، أو الذات الإلهية فينا، بل غلاف خارجي، لا أكثر ولا أقل، يعمل على مستوياته بحسب الوظيفة المحددة له. كذلك في دراستنا للجسم النوراني، سندرك أننا لسنا هذا الجسم النوراني، ولا ينبغي علينا، بالتالي، التماهي معه ومعاملته وكأنه “الذات الإلهية” فينا.

وبالفعل فإن المجتمع الإنساني يهتم بالثقافة المادية والفكرية، وإن كان بطريقة مثالية؛ ولكنهما تبقيان في دائرة اهتمامه القصوى؛ ونادرًا ما نجد ذاك الإنسان الذي يتكلم عن الثقافة “العاطفية” وعن التربية على المستوى “العاطفي”. ولهذا السبب نتماهى كليًا مع عواطفنا ومشاعرنا. ونحن لم نتعلم بعد أن نخطو خطوة إلى الوراء وننظر إلى الجسم النوراني من حيث كونه أداة خارجية عنا، لا أكثر. وتعود الصعوبة في إدراك هذه الحقيقة في أننا لا نرى إلا السطح الخارجي الظاهر لـ”جبل الجليد”، في حين يظل الجزء الآخر (الأضخم بكثير) من الجبل في اللاوعي، في محيط اللاوعي. اللاوعي، “هو الملجأ لكل ما هو مرفوض أو غير مرغوب”. وبالفعل، لا داعي لصرف وقت طويل لندرك بأننا نقضي معظم حياتنا في الرفض: رفض الأحاسيس غير المستحبة، رفض الألم، رفض ما ندعوه بالهفوات والأخطاء، رفض كل ما نعتبره سلبيًا، إلخ. كل هذا يغذي لاوعينا، وبالتالي يُبقي الجسم النوراني مجهولاً بالنسبة إلينا، بحيث تزداد الصعوبة في السيطرة عليه لجعله أكثر نقاوة وشفافية.

الوظيفة الأولى للجسم النوراني – هي تحويل الاهتزازات إلى أحاسيس – تحدث تلقائيًا بدون تدخل العقل؛ فالجسم النوراني لا يسبب مشكلات في وظيفته هذه. المشكلات تبدأ مع وظيفته الثانية التي تبدأ بتصنيف الأحاسيس إلى ملذوذة وغير ملذوذة، أي يبدأ بـ”الحكم” عليها. وفي وظيفته الثالثة، يضيف إلى هذا الحكم الرغبة في استرجاع الأحاسيس الملذوذة ونبذ الأحاسيس غير الملذوذة. فالمشاكل تبدأ إذًا مع التقويمات العقلية الثنوية: ملذوذ/غير ملذوذ، إيجابي/سلبي، فضيلة/رذيلة، التي هي أساس كل التعارضات والتناقضات التي يجب الخلاص منها لنتحرر من سيطرة الرغبات وإنهاء نزاع العواطف والمشاعر التي تتصارع في داخلنا.

يوجد في الكون قانون يدعى “قانون التعويض”، أو قانون التوازن، الذي يعمل على جميع المستويات بدون استثناء. فالمطلق، اللامتجلِّي، يتراءى لنا ككلِّية ساكنة. وما إن يبدأ التجلِّي حتى تبدأ الحركة؛ ولكنها حركة منظمة، متوازنة ومتناغمة ندعوها بـ”الإيقاع الكوني”. ويُعبِّر هذا الإيقاع عن نفسه بقانون التعويض أو التوازن أو إعادة التوازن في الكون كلِّه إلى نصابه.

الطريقة المثلى لفهم القوانين التي تتجاوز مداركنا الفكرية هي أن نقيم مقارنات أو مقايسات مع قوانين معروفة على المستوى المادي، استنادًا إلى الحكمة “كما في الأعلى كذلك في الأدنى”؛ وبهذا نستطيع أن نأخذ فكرة صغيرة عن القوانين التي تنظم عمل الكون بأكمله وتسيِِّره. بالإمكان ملاحظة انعكاس “الإيقاع الكوني” على المستوى المادي في حركة البندول في الساعة. فالكل يعلم أنه كلما ازداد ابتعاد البندول عن الخط الشاقولي نحو اليمين ازداد ابتعاده نحو اليسار في حركة معاكسة لإعادة التوازن؛ والعكس صحيح. ومن هذا المنظار نستطيع أن نتخيل قانون التوازن أو قانون التعويض الذي يعمل على كل مستويات الكون المتجلِّي. فظاهرة التجلِّي إذًا شبيهة بالإخلال بهذا التوازن؛ وبالتالي فإن قانون التعويض هو البحث عن التوازن المفقود وإعادته إلى نصابه.

من البديهي أننا سرعان ما نشاهد هذا القانون في عمله بالطبيعة، مثل تعاقب الفصول الأربعة، وتبدل الأيام والليالي. وإذا تراءى لنا أن ذلك غير واضح في مجالات أخرى فإن ذلك يعود إلى أن رؤيتنا محددة بفعل “الزمن”.

إننا بالتأكيد قد مررنا، على مستوى المشاعر، بفترة زمنية من الحماس والإثارة، أعقبتها، بعد حين يطول أو يقصر، فترة زمنية من الضغط النفسي. وكلما كانت فترة الحماس والفرح طويلة كانت فترة الحزن والتعاسة النفسية أكثر شدة وعمقًا. وإذا مررنا – استثنائيًا – بحياة كلها سعادة فلنتيقن من أننا سنمر بفترة طويلة من التعاسة في تقمص أو عمر جديد. ولكن، في أغلب الأحيان، لن نضطر للانتظار إلى الحياة القادمة لكي يبدأ التوازن بالعودة إلى نصابه. ونحن نلاحظ ذلك فينا وحولنا يوميًا.

ولكن نتساءل: إذا كان هذا القانون محتومًا ولا مفرَّ منه، فهل نستنتج من ذلك أننا سنبقى على الدوام متقلِّبين من جهة إلى جهة، من الملذوذ إلى غير الملذوذ، من الفرح إلى الحزن، من السعادة إلى التعاسة؟ بالطبع لا. ومع ذلك فهو قانون حتمي. وبدراسة أكثر، سنفهم كيف لن نبقى ألعوبة بين يديه.

لنتخيل وجود “إنسان” معلق على الطرف الأدنى للبندول. فهو بالطبع معلق بحركته القصوى، ويشعر بهذه الحركة في اتساعها وسرعتها. وإذا نجح هذا الإنسان في الصعود إلى قمة البندول فإن تأرجحه يمنة ويسرة مع حركة البندول الاهتزازية سوف تصير أقصر مطالاً وأقل سرعة. فاتساع مطال البندول وسرعته سوف يتناقصان بالنسبة للإنسان بشكل اطرادي مع صعوده؛ فكلما صعد نقصت السرعة والمطال للبندول من اليمين ومن اليسار؛ حتى إذا استطاع الوصول إلى نقطة تثبيت البندول فإنه سيصبح ثابتًا رغم أن حركة البندول تبقى مستمرة.

حياتنا العاطفية شبيهة بحركة البندول، والإنسان الذي يتماهى مع الجسم النوراني يشبه الإنسان المعلق في الطرف الأدنى للبندول؛ إنه يصبح كاللعبة بين يدي القانون، قانون التعويض أو التوازن. والصعود إلى قمة البندول هي بداية محاولة خطو خطوة إلى الوراء والنظر إلى الجسم النوراني بموضوعية ومعرفة حقيقة كونه مغايرًا للذات الحقيقية في الداخل. إنه الوعي الذي يصعد للقمة، وليس الجسم النوراني. فالحركة لا تزال موجودة، والمشاعر هي ذاتها، الملذوذة وغير الملذوذة، لا نحذف منها شيئًا؛ ولكن الوعي الذي يأخذ خطوة إلى الوراء في علاقته مع المشاعر والأحاسيس ويبدأ في القبول بها في تقلُّباتها ويبدأ بفهمها.

الحكيم هو ذاك الإنسان الذي استطاع أن ينقل مركز وعيه إلى نقطة تثبيت البندول والإقامة هناك. فبالنسبة له، نظير كل الكائنات المتجسدة، يدرك أن المشاعر لا تزال موجودة، ولكنها لم تعد تؤثر فيه أو تسبب له الاضطراب. ولكن يجب فهم هذا فهمًا جيدًا، لأن كثير من الناس يعتقدون أن الدواء والعلاج من هذه التقلبات (فرح/حزن، إيجاب/سلب، إلخ) يكون بإبطاء حركة البندول، فيعتقدون أنه مادام الفرح يعقبه الحزن فإن عدم فرحي لن يعقبه حزن! للأسف، هذا النوع من التفكير يعني الانغلاق عن الحياة؛ وبالتالي سيؤدي إلى تباطؤ التطور الإنساني. فالمشكلة لا تكمن في المشاعر بل في التماهي معها.

إذا استطعنا الاحتفاظ في تفكيرنا بصورة البندول في حركته الاهتزازية، عندئذٍ نستطيع القبول بالجانب غير الملذوذ من المشاعر. وحيث يوجد القبول لا نعود نحس بالألم بنفس الطريقة السابقة؛ وربما لن نعود نشعر بالألم بالمعنى الذي نفهمه، ونستطيع، بالتالي، أن نعيش مشاعرنا وأحاسيسنا كوقائع، أي بانتفاء أي “حكم” عليها، ومعاينة التناقض “فنحن ألعوبة لما نرفض وعتقاء ما نقبل”. ولذلك يجب أن ندرك جيدًا أنه إذا أردنا أن ننقي جسمنا النوراني يجب علينا استخدامه. فبالعمل مع الأداة نستطيع أن نحسنها للأفضل. والامتناع عن بعض المشاعر يعني بتر جزء من الجسم النوراني. فالادعاء الدائم بـ”السيطرة على الذات” ليس في حقيقته إلا رفضًا يؤدي إلى الإصابة بانعدام الحس الذي يسبب للجسم النوراني الشلل.

لننتقل إلى شكل آخر من الثنائية، ثنائية المحاسن والمثالب، الفضائل والرذائل؛ فهي عظيمة الأهمية لدراسة الجسم النوراني، لأن أخطاءنا وعيوبنا جزء من نفسنا، وهذا الجزء هو الذي نرفضه لأنه لا يعجبنا. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن ذلك هو أيضًا ثنائي من المتعارضات الملازمة للتجلِّي، وأن الواحد منهما لا يكون موجودًا بدون الآخر، وأن الأول متضمن بالكمون في الثاني. فعلى مستوى الشخصية، الثنائية موجودة دائمًا (محاسن/مثالب، فضائل/رذائل، إلخ). قد يبدو ذلك لنا مثبطًا للعزيمة؛ ولكن ليس بنفي “الواقع” نستطيع أن ندركه. فلنقبل إذًا “الوقائع” كما هي، ونلاحظ ماذا يحدث، ولنحاول أن نستخرج منها العِبَرَ والنتائج العملية.

التطور يعني تغيير وجهة النظر، أي المزيد من الإدراك والمزيد من الانفتاح. فصيرورة الإدراك تكون دائمًا مرتبطة بالموضوع المطروح. ولكي نحصل على إدراك جديد مغاير يجب أن “نموت” عن إدراكنا السابق، أي لا نتشبث بأفكارنا وبنظرتنا إلى الثنائية الظاهرية التي صنعناها بأنفسنا بسبب جهلنا للقوانين الكونية.

فلنأخذ كلمة “فضيلة” التي نستعملها في مفرداتنا لتسمية حالات مختلفة. فاستعمالها بصيغة الجمع – “الفضائل” – تعني مزايا، لها نقيض: الرذائل. واستخدامها بصيغة المفرد – “الفضيلة” – تعني ميزة سابقة موجودة فوق تناقضات (فضائل/رذائل)، بمعنى أنها قابلة لفهم هذه التناقضات في تداخلها المحتوم. ففضائلنا ليست، في أغلب الأحيان، سوى تعارضات وردود أفعال يحرِّضها قانون التعويض لما نسميه الرذائل. وإذا بقينا نمتلك هذه الفضائل وبدأنا بالتماهي معها فإننا نبقى للأسف مرتبطين بعالم التناقضات. ولهذا السبب فإن فضائلنا يمكن أن تصير، نظيرة رذائلنا، عوائق لتطورنا، لأن هذا التطور هو العودة إلى الوحدة، وكل ما يعارضها يجب العمل على إزالته من الحياة الباطنية.

يمكننا أيضًا دراسة هذا الموضوع من وجهة نظر مختلفة، وجهة نظر ثنائية الانجذاب/النفور على مستوى أحاسيسنا، ورؤية ما ندعوه بـ”الحب” لنلاحظ ما يحدث لنا. يوجد أشخاص نحبهم وأشخاص لا نحبهم؛ بل توجد في الشخص نفسه خصائص نحبها وخصائص أخرى نكرهها؛ وحتى في أنفسنا يحدث ذلك. بعبارة أخرى، الحب بالنسبة لنا يُعاش في مضمار التعارضات الثنائية (الحب والكراهية).

طبعًا يوجد نوع آخر من الحب الذي ليس له ضدٌّ يعاكسه، ألا وهو “المحبة” التي يجب علينا أن نعيها في جسمنا النوراني، والتي تتضمن “الكل”؛ بمعنى أنها تقبل كل شيء دون “أحكام” مسبقة، وتحب أيضًا وجهي التجلِّي أو ثنائيته دون رفض أحد الحدين في سبيل الآخر: “إذا رأيتني في الضدِّين رؤية واحدة فقد اصطفيتك لنفسي”.

لماذا لا نكون أبدًا في سلام مع أنفسنا؟ لأننا عندما نكون في الجانب السلبي وغير الممتع فإننا نرفضه، وعندما نكون في الجانب الإيجابي والممتع، فإن الخوف يتملََّكنا بأن لا نبقى هكذا دائمًا (كالغني الذي يتملََّكه الخوف من أن يصير يومًا ما في الجانب الآخر، في الفقر والعوز).

سلام المشاعر يأتي عندما نجعل من الثنائية المتعارضة (فقر/غنى، إيجاب/سلب، فضيلة/رذيلة) متضمنة في الوحدة الكلِّية، معاشة ومتناغمة، لكي يصبح جسمنا النوراني أداة فعالة، ليس فقط في الاتصال مع الحياة، بل أيضًا في الاتحاد مع كل أوْجُه الحياة المتجلِّية.

هذا القبول لمشاعرنا وعواطفنا، مهما كانت، يسمح لما كان مختفيًا في اللاوعي بأن يصبح تدريجيًا موعيًا؛ حيث لن تعود هناك حواجز من أحكام أخلاقية أو معنوية نضفيها على تعارضات وهمية في جوهرها. وبذلك نبدأ بالتعرف، أكثر فأكثر، على الجسم النوراني. وعندما لا يعود هناك “رفض” لن تعود هناك، بالتالي، “رغبات”. فالقبول بالمشاعر، بدون تمييز، يسمح لنا بالتحرر من سطوة الرغبات. فالرغبة ليست إلا اختيارًا للأحاسيس التي نتمنى أن نحس بها أو لا نراها تتكرر من جديد.

وكما أننا لا نستطيع إزالة عيب ما من عيوبنا بكبته، كذلك لا نستطيع التحرر من سيطرة الرغبات أو الشهوات بكبتها في داخلنا، والإيحاء لأنفسنا بأنها غير موجودة. والمبتدئ الذي يسير على الطريق الروحي ينبغي عليه ألا يعتقد سريعًا أنه صار “حكيم زمانه”، وإلا خاطر بكبت عيوبه والإيحاء لنفسه بأنه بدون عيوب وأنه قد حقق الانعتاق من الرغبات والشهوات. نحن لا نكذب على أنفسنا. فإذا فهمنا بشكل واضح صيرورة الرغبة المرتبطة بثنائية الملذوذ وغير الملذوذ، الانجذاب والنفور، فإنه يمكن لنا رؤية جسمنا النوراني ببساطة على مستوى الرغبات والقبول بها. ولكن قبول الواقع بأنه توجد رغبة في داخلنا لا يعني إرضاءها وإشباعها. فعندما نُشبِع رغبة ما، مع احتفاظنا بالإحساس بالذنب، مهما كان خفيفًا (وهذه هي الحالة التي نمر بها عمومًا) فنحن فعليًا لا نقبل بوجود هذه الرغبة، وبهذه الطريقة نساعد على تغذية هذه الرغبة وتنميتها بدلاً من كبحها. وبالعكس، عندما نقبل بوجودها في رؤية واعية فحظنا كبير في أن تفقد هذه الرغبة سيطرتها علينا؛ وعندئذٍ يتبخر كل انجذاب بدون حاجة إلى إرضائه. فإذا كنا حقًا صادقين وأمناء مع أنفسنا، فإن الرغبات تختفي تدريجيًا، وتحلُّ محلََّها التطلعات الروحية الكامنة في أعماقنا التي هي المحرك والدافع في بحثنا الروحي؛ بينما الرغبات المكبوتة، أو التي لا نود رؤيتها في وضح النهار على حقيقتها ونعالجها، تصير عقبة لنا على الدرب الروحي.

توجد في أعماق كل منا تطلعات وأمانٍ روحية سامية؛ ولكن توجد أيضًا رغبات متناقضة مع هذه التطلعات الروحية؛ وعلينا رؤيتها بوضوح لكي نصل إلى الحقيقة السامية. ويكون ذلك بامتلاك الشجاعة على رؤيتها وجهًا لوجه في أعماق الشخصية، ورؤية الجسم النوراني في كل تعقيداته. وكما أن الرغبة المعبَّر عنها في وضح النهار، بدون مواربة، لا تعود رغبة، كذلك الشعور الذي ندركه إدراكًا واعيًا لا يعود شعورًا أو عاطفة بالمعنى المتعارف عليه؛ أي لن يعود إلى إثارة الاضطراب أو ردود الفعل في داخلنا، بل يتركه في سلام وصفاء وهدوء، وكأن الأمر لا يعنينا في شيء. هذا الصفاء هو التعبير الواضح عن الشفافية والحساسية المرهفة – وهي حساسية كلية لأنها لاشخصية. وبالتالي، فإن هذا الصفاء يصبح تعبيرًا عن الغبطة، غبطة الذات العليا التي هي ذاتنا الحقة، غير المخلوقة وغير المجعولة لأنها “كائنة” منذ الأبد، ولكنها كانت كامنة بسبب العواصف العاطفية والانفعالية لجسم نوراني غير مسيطر عليه، لكنه يبدأ باليقظة عندما يصبح متناغمًا وشفافًا. فالشعور هو إذًا الجواب على الاهتزازات القادمة من مستويات شفافة، وهو التعبير المتجلِّي للألوهة بواسطة الشخصية.

إذًا وظيفة الجسم النوراني هي، قبل كل شيء، السماح لنا بالاتصال مع مستوى الأحاسيس والمشاعر، ومن خلال صيرورة تطورنا بعد الخلاص من الرغبات، السماح لنا بالاتحاد والتوافق الكامل مع هذا المستوى، أي التناغم معه. وأخيرًا، وبعد تحقيق تلك الوظيفتين، نستطيع نقل الاهتزازات القادمة من مستويات عليا، وخاصة من المستوى الإشراقي إلى الدماغ، حيث إن الجسم النوراني هو انعكاس للمستوى الإشراقي.

وأخيرًا يبدو أنه من الضروري الإشارة للقارئ بأننا لم نطرح في دراستنا هنا موضوع الاتصالات التي نستطيع القيام بها مع العالم النوراني من خلال الرؤى والوساطة الروحية، أو من خلال بعض الظواهر من النوع ذاته. ولكننا نكتفي بالتساؤل: ما قيمة “الرؤيا” التي تتحقق في العالم النوراني للإنسان غير المتحرر، أي الذي لم يحقق ذاته؟!

إن هذا الإنسان، في الواقع، يرى العالم النوراني من خلال الجسم النوراني الخاص به. وبما أننا عرفنا كم يكون جسمه مضطربًا ومنفعلاً فمن الطبيعي أنه سيرى هذا العالم على غير حقيقته. وحده الإنسان المتحرر يستطيع امتلاك رؤية روحية وموضوعية، لأن جسمه النوراني يكون شفافًا، وبالتالي لا يسبب أي تشوُّه في إدراكاته وفي رؤيته الروحية.

لهذا السبب فإن عملنا الأول يقوم على تنقية الجسم النوراني. وما دام هذا العمل لم يكتمل فإن الاتصالات التي نحققها مع العالم النوراني، أيًّا كانت وسيلتها، لن تجلب لنا سوى صورة مشوهة لهذا المستوى النوراني، مسببة لنا “تراجعًا” روحيًا، بدلاً من مساعدتنا على التقدم على الدرب الإلهي.

وكما أن تنقية الجسم المادي والسيطرة عليه ليستا بهدف جعله أكثر قوة أو جمالاً، بل لجعله أداة شفافة للخدمة في هذا العالم، كذلك ليس هدفنا من تنقية الجسم النوراني هو الظهور بأننا مثال للآخرين وعنوان للفضيلة الظاهرية، بل جعله شفافًا ليعبِِّر الإلهُ عن نفسه من خلاله. وهذا يفوق كل الصفات الأخلاقية التي نتخيلها.

الجسم العقلي الأدنى أو الرغائبي: نبدأ دراسة الجسم الرابع من الأجسام التي تؤلف الشخصية وهي: الجسم المادي، الجسم الأثيري، الجسم النوراني، والجسم العقلي الأدنى أو الرغائبي. ولكن لماذا نقول “أدنى”؟ تذكرون أنه توجد نقطة اتصال بين الشخصية والفردية على المستوى العقلي. وفي نسيج هذا المستوى يتشكل للشعلة الإلهية غلافان متميزان، وهما الجسمان العقليان: الأول ندعوه الجسم العقلي الأدنى، وهو مؤلف من المستويات الأربعة التحتية للمستوى العقلي؛ والثاني يدعى بالجسم العقلي الأعلى أو الجسم العلي causal body، وهو مؤلف من المستويات الثلاثة التحتية للمستوى العقلي أيضًا. وهذان الجسمان مختلفان تمامًا ومتمايزان. فالجسم العقلي الأدنى مرتبط بالجسم النوراني لأن كليهما مركبة أو “أنية” للوعي الشخصي؛ أما الجسم العقلي الأعلى فهو أحد المركبات أو الأجسام التي تعبِّر عن حالة الوعي الفردي. إذًا الجسم الذي يربط بين الشخصية والفردية يوجد على المستوى العقلي – ومن هنا أهمية هذه الدراسة.

إن مختلف الأجسام في الإنسان تتطور وتنتظم تدريجيًا بمقدار تطور الإنسانية، وإن لكل ذرية بشرية أم Mother-race عمل خاص للإنجاز. وعمل الذرية البشرية الأم الخامسة (هي الذرية البشرية الحالية التي ننتمي إليها) يتضمن تطوير الجسم العقلي الأدنى تحديدًا. وهذا التطور لم يكتمل بعد في الإنسانية ككل، أو على الأقل بشكل غير متكافئ بين أفراد البشرية. وهذا ما يفسر الاختلافات في درجة الإدراك والفهم بين الكائنات الإنسانية، بين إنسان وإنسان. وعمليًا، جميع مشاكلنا تعود في جذورها إلى الجسم العقلي الأدنى. فشكله البيضاوي مصنوع، كما قلنا، من المستويات الأربعة التحتية الدنيا للمستوى العقلي؛ وتركيبته الذرية أو الاهتزازية أقل أو أكثر شفافية، وتتحدد في أثناء الولادة، نظيرة تركيبة الجسم النوراني، بواسطة الاهتزازات المتضمنة في الذرة العقلية الدائمة التي احتفظت بجوهر الخبرات العقلية للتجسد السابق.

أما فيما يخص النسيج الذي صُنِعَ منه الجسم العقلي الأدنى فنقول عنه ما كان يجب أن نقوله في أثناء حديثنا عن الجسم النوراني: إنه يدعى “الجوهر العنصري”. فما هو هذا الجوهر العنصري أو الذات العنصرية؟ إن الحياة التي تحيي الكائن الإنساني قد اجتازت تجارب الممالك المعدنية والنباتية والحيوانية قبل دخولها المملكة الإنسانية. فإذا أخذنا في الاعتبار أن الحياة تنزل أو تبدأ في الحلول والانتشار من المستويات الإلهية وصولاً إلى المستوى المادي، قبل عودتها إلى الصعود إلى المستويات الإلهية من جديد، ندرك أن المملكة المعدنية توجد على النقطة الأخفض على القوس المنحني والأكثر بعدًا عن الألوهة. إذًا ماذا يحدث للحياة على الجزء الهابط من القوس المنحني، أي ما قبل المرحلة المعدنية؟

إن دفقًا من الحياة الإلهية، أو انبثاقًا من الروح الإلهية، أو موجة حياة تبدأ بالحلول والتوضع على نسيج الكون أو النظام الشمسي. ونحن لا نستطيع تخيل ما حدث على المستوى النيرفاني Nirvanic أو على المستوى الإشراقي Buddhic؛ ولكن موجة الحياة، عندما تصل إلى المستوى العقلي، أو الجوهر العنصري. موجة الحياة هذه تجتاز من حيث إنها جوهر عنصري، المستوى العقلي الأدنى والمستوى النوراني قبل الوصول إلى المستوى المادي لإحياء المملكة المعدنية.

إن أسماء المستويات السبعة في النظام الشمسي، هي من الأعلى إلى الأسفل:

1. مستوى أدي Adi.

2. مستوى أنوباداكا Anupadaka.

3. المستوى الأتمي Atmic.

4. المستوى الإشراقي Buddhic.

5. مستوى العقل Mental.

6. المستوى النوراني Astral.

7. المستوى المادي Physical.

ولكن عند بدء حلول موجة الحياة على النظام الشمسي يطلق على المستوى الأول إسم المستوى الإلهي، وعلى المستوى الثاني اسم المستوى المونادي Monadic، وعلى المستوى الثالث اسم المستوى النيرفاني Nirvanic؛ أما المستويات الباقية فتبقى لها نفس الأسماء. إذًا لم يتغير شيء في الموضوع. إذًا هذه الحياة الهابطة تُشبِع المستويات الشمسية من جوهرها. فالتطور، بالنسبة لموجة الحياة هذه، هو النزول والهبوط. أما بالنسبة للإنسان فالتطور هو العكس تمامًا، أي الصعود. لهذا السبب نلاحظ أن في أجسامنا المختلفة مقاومة للتنقية؛ ولهذا السبب أيضًا ينبغي على الإنسان بذل طاقة جبارة للارتقاء بعكس الطاقة الغريزية التي تجذب إلى الأسفل، الموجودة في النسيج الكوني. ونذكر أيضًا أن الجوهر العنصري أكثر قوة على المستوى النوراني منه على المستوى العقلي، لأن الجوهر العنصري على المستوى النوراني يكون أكثر نموًا وتطورًا. ولهذا السبب نلاحظ أن تهدئة الأفكار أكثر سهولة من تهدئة المشاعر والعواطف، ولا يعود السبب في ذلك إلى أن المقاومة في الجسم العقلي الأدنى، منبع الأفكار، هي أقل منها في الجسم النوراني، منبع المشاعر والعواطف، وإنما هي بسبب النزعة الموجودة فيه للاضطراب والإثارة، ولكون الجوهر العنصري العقلي ضبابي الشكل وأقل تنظيمًا واستقرارًا لأنه أقل نموًا وتطورًا من الجوهر العنصري النوراني، ولهذا السبب نحتاج إلى قوة أقل، ولكن أكثر تحديدًا وانتباهًا ويقظة، لنهدئ الجسم العقلي الأدنى.

فما هي وظائف الجسم العقلي الأدنى؟ الاهتزازات القادمة من المستوى المادي، بواسطة الحواس، تتحول إلى أحاسيس ومشاعر بواسطة الجسم النوراني. وبعد ذلك، يقوم الجسم العقلي الأدنى بتحويلها إلى إدراكات حسية؛ وبمعنى آخر، يحولها إلى صور: صور بصرية أو سمعية أو شمية أو ذوقية أو لمسية.

الوظيفة الثانية للجسم العقلي الأدنى هي تجميع هذه الصور المتنوعة في صورة كلية واحدة، تسمح، بعملية تخزينها في الذاكرة، بالتالي، بتصور “الكل” من رصد “الجزء”. فعطر ما، أو صوت ما، يتيح لنا تخيل شخص ما لا نراه. إذًا في عملية تجميع الصور، الجسم العقلي الأدنى يقيم علاقة مقارنة، واستدلال، وتخيل، وتحليل، إلخ.

الوظيفة الثالثة هي في التأثير على أعضاء الحواس لتقوم هذه الحواس بردود فعل نتيجة إدراك حسي ما. فعندما تلمس يدنا شيئًا ما (نارًا لاهبة مثلاً) فإنها تنسحب للوراء نتيجة الأمر الصادر عن العقل، بالرغم من أننا لا نعي ذلك بسبب سرعة رد الفعل وصيرورة الآلية الأوتوماتيكية.

ما يلفت بالأكثر انتباهنا هو الوظيفة الثانية للعقلي الأدنى، ألا وهي إقامة علاقة استدلالية–تحليلية في عملية جمع الصور؛ وهذه العلاقة هي ما ندعوه بـ”التفكير”. ونوعية التفكير لا تتوقف على كمية الصور المجمَّعة فقط، وإنما أيضًا على المهارة في جمعها وشبكها فيما بينها. فالعقل الأدنى هو عنصر التفكير العياني الملموس الذي يُجسِّم الموضوع المعنوي في صور مرئية أو صوتية إلخ، التفكير الذي يحدد الاختلافات بين الأشياء. ولنلاحظ أن الصور العقلية تشوِّه المواضيع (أو الأشياء) والإدراكات بسبب المحدودية الملازمة لحواسنا التي تعمل وكأنها مِصفاة. فالعقل الأدنى لا يعرف المواضيع أو الأشياء الخارجية على حقيقتها، إنما يعرف فقط انعكاساتها؛ وهذه الانعكاسات تتشكل في عقلنا الذي يقذفها بدوره خارجًا عنه. فنحن نعتقد أن ما نلاحظه موجود، حسب رصدنا له، موضوعيًا. لكن ما نراه في الحقيقة، هو الصورة العقلية المعنوية، التي تشكلت في داخلنا، أي الانعكاس. فالعالم الخارجي موجود حتمًا؛ لكننا لا نراه على حقيقته، بل نرى الانعكاس الذي يتشكل في داخلنا لا أكثر.

فلنحدد الآن الاختلاف الموجود بين العقل والفكر والجسم العقلي الأدنى: في كل مستويات التجلِّي، يوجد وعي وطاقة. فعلى المستوى العقلي، الوعي هو ما ندعوه الفكر أو العقل، والطاقة هي ما ندعوه “المادة” بالمعنى الواسع للفظ، أي الجسم العقلي الأدنى؛ وعلى المستوى النوراني، الوعي هو المشاعر والعواطف والأحاسيس، والطاقة هي الجسم النوراني.

فالوعي الروحي في الشخصية يعبِّر عن نفسه بالعقل والفكر على المستوى العقلي الأدنى، ويعبِّر عن نفسه بالعواطف والمشاعر على المستوى النوراني، ويعبِّر عن نفسه بالفعل والحركة الجسمية على المستوى المادي. ففي كل مستوى يستعمل الوعي أداة مختلفة ليعبِّر عن نفسه. فحتى يعبِّر عن نفسه كفكر فإنه يستعمل الجسم العقلي الأدنى، وحتى يعبِّر عن نفسه كعواطف وأحاسيس فإنه يستعمل الجسم النوراني، إلخ. فالأداة سواء كانت الجسم العقلي الأدنى أو الجسم النوراني أو غيرهما، تقوم بتحويل تعبيرات الوعي عن نفسه وتضع لها حدودًا. ولكن بالإمكان العمل على تقليص هذه الحدود والقيود، وتجنب إظلام الوعي شيئًا فشيئًا.

إن العمل الأول للإنجاز بالنسبة للجسم المادي والنوراني هو “مَوْضَعَة” هذه الأجسام، أي جعلها موضوعية. ولجعل الشيء موضوعيًا يجب أن نخطو خطوة إلى الوراء ونراه بشكل موضوعي، أي كشيء خارج عن الذات الحقيقية للإنسان. ذلك أن الإنسان المشروط بالشخصية الذي يعتبرها وكأنها “هو” لا يستطيع أن يخطو خطوة إلى الوراء لرؤية الجسم العقلي الأدنى على حقيقته. فالإنسان في وضعه التطوري الحالي هو نفسه الجسم العقلي الأدنى، أي أنه يتماهى مع هذا الجسم؛ “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. فعند الإنسان، الجسم العقلي الأدنى والذات والفكر هي، للأسف، واحدة.

يوجد شيء مشترك بين معنى الذات والجسم العقلي الأدنى. فالذات أو الأنا الشخصية، بواسطة تعريفها المعارض هي التعبير الواضح عن الانفصالية. فحيثما توجد الذات يوجد “الآخر”، ويوجد الآخرون. والجسم العقلي الأدنى هو مجال ومنبع هذه الانفصالية. فمعرفة “المختلف” – وهي إحدى وظائف الجسم العقلي الأدنى – تستجر التعارض بين هذه المختلفات، أي الانفصالية، ما دام الإنسان يحيا متماهيًا مع شخصيته. ومن هنا الانجذاب الشديد بين الذات والجسم العقلي الأدنى؛ إذ إن كلاً منهما يشد من أزر الآخر، وكلاً منهما يجعل الوعي سجينًا للشخصية ومتماثلاً معها؛ مما ينتج عنه تعذر تنقية الجسم العقلي الأدنى وتطهيره.

فماذا يحدث عندما نعتقد أننا سيطرنا على الجسم العقلي الأدنى؟ يحاول جزء من الجسم العقلي الأدنى السيطرة على جزء آخر من الجسم نفسه، وجزء من الذات يحاول أن يستعبد جزءًا آخر من الذات نفسها. ويمكن لنا بسهولة إدراك أن هذا العمل سيؤول إلى الفشل الذريع؛ ومع ذلك هذا ما نفعله دائمًا، بكل النوايا الصالحة في العالم، بجهود متكررة وعقيمة. وهذه الجهود تؤدي إلى جعل الذات أقسى، أي إلى توسيع مدى الانفصالية التي نعيشها مع الآخرين وإغلاق الاتصال بين الذات العليا والذات الدنيا أو الشخصية. فللقيام بالسيطرة على الجسم العقلي الأدنى ينبغي الرسوخ بالوعي في ما وراء الذات، وللرسوخ في ما وراء الذات يجب التوقف عن التواحد مع الشخصية؛ وهذا يفترض أن الجسم العقلي الأدنى قد تمت السيطرة عليه! فكيف نحل هذه المعضلة؟ فلنحاول أن نفهم عمل الجسم العقلي الأدنى وآلية الذات: إن معنى الذات، الأنا، ضروري للتطور ولكن إلى حدود معينة. إن “الذات” Ego هي ما يساعدنا على التفرد، ويمنعنا من أن نصبح إلهيين. والأمر نفسه ينطبق على الجسم العقلي الأدنى؛ فهو ليس عقبة بحدِّ ذاته، ولكن وظيفته وآليته هما اللتان تمنعاننا من أن نصبح “إلهيين”.

العقل، برصده للاختلافات، يبت في الأمور، ويقيم المفاهيم، ويسمي الأشياء والأحداث والحالات النفسية؛ وعندئذٍ يظهر التفاف من جانب العقل الأدنى عندما تأخذ الأسماء والمفاهيم أهمية أكثر في حياتنا. إذًا فنحن لا نستقبل الحياة أو نعاينها كما هي الآن، وإنما نحكم عليها من خلال مفاهيم “مصنوعة” من قبل؛ وهذا، بالتالي، نوع من التعلق بالماضي يصير عائقًا أمام التطور الروحي.

التفكير الصحيح هو الرؤية الصحيحة للأشياء. فكيف يمكننا اكتساب القدرة على تلك الرؤية الصحيحة وذلك التفكير المستقيم؟ ضرورة الانتباه لكلِّ ما نقوم به. فالانتباه يلغي تدريجيًا أضغاث الأحلام والهروب العقلي اللذين يشغلان الوقت الأطول من حياة الناس. فهذا الانتباه “اللحظي”، الحاضر دائمًا، يجب أن يسبق التركيز والتأمل؛ وكل تأمل وتركيز سيكون بدون فائدة إذا لم نحوز على الانتباه للحظة الحاضرة، لأنها الخطوة الأولى على طريق تهدئة الأفكار التي تعيق كل تركيز؛ وهذا التركيز ليس إلا القدرة على الانتباه المتنامية تدريجيًا. يوجد تركيز عندما ينتفي كل حكم مسبق و/أو إشراط، وتنتفي بالتالي، كل الأحكام المسبقة، وكل تعلق بالمفاهيم “المعلََّبة”. ويبدأ التركيز الصحيح عندما يبدأ العقل بالرصد الموضوعي، أي يكون حاضرًا كليًا “الآن”، في اللحظة الراهنة؛ أي عندما لا يعود هناك رفض أو اضطراب. وعندئذٍ يبدأ التأمل بأخذ مكانه الشرعي. فالتأمل يبدأ عندما يصمت العقل الأدنى (الذات الشخصية). إذ ذاك تبدأ الطاقات الروحية بـ”تشريب” الأجسام الدنيا، وتكتمل تنقية الجسم العقلي الأدنى بحذف الاهتزازات العقلية المتدنية والغليظة التي لا يمكن لهذه الطاقات الروحية التواجد معها. فعملية تنقية الجسم العقلي الأدنى ليست من اختصاص الشخصية، وإنما هي عمل يتم على الشخصية من دفق الطاقات الروحية.

عندما نشرع في التأمل فإننا لا نصل في الحال للسكون العقلي؛ فالمهم هو الوصول إلى غياب الرفض والاختيار والحكم. فإذا كان هناك مجهود لحذف الأفكار فإن هذا المجهود سيقوِّي مقاومتها. إذًا من الأفضل محاولة رصد هذه الأفكار دون كبحها، ودون تشجيعها أيضًا؛ أي بمعنى آخر، رصدها بطريقة حيادية. عندئذ تبدأ الأفكار تتوارد مثل صور فيلم، كصور خارج الشاشة وخارج المشاهد لها. وإذا قمنا برصد هذه الأفكار على نفس منوال رصد الصور في الفيلم فهذا يعني بداية الخطو إلى الوراء عن الجسم العقلي الأدنى، وبداية الكف عن التماهي معه. ونحن نلاحظ أن الأفكار، مثل الصور في الفيلم، ليست متتابعة. فكل منا يعتقد أن ذاته صلبة وذات استمرارية؛ ولكن هذا غير صحيح، فأفكارنا عبارة عن صور متتابعة، منفصلة تمامًا بعضها عن بعض، فكل منها منفصل عن الآخر، ولكن سرعة عرض الفيلم توحي لنا بأنها متتابعة؛ ولكن هذه الاستمرارية أو التتابع ليس إلا ظاهريًا وحسب.

وبالفعل، ما هي الفكرة؟ أو ما هي الأفكار؟ الوعي الروحي يعبِّر عن نفسه على المستوى العقلي الأدنى بواسطة الجسم العقلي الأدنى، فيظهر وكأنه عقل أو تفكير أو مجموع الأفكار. فالوعي الواحد يظهر على شكل أفكار مختلفة ومتباينة. ولتوضيح ذلك سنعطي مثالاً صغيرًا عن الأمر: النور الأبيض الذي يجتاز الموشور يتفكك إلى ألوان متعددة (الألوان السبعة). فمن جهة، لدينا النور الأبيض، ومن جهة ثانية، لدينا تفرعات ملونة، ألوان مختلفة كانت موجودة كامنةً في النور الأبيض. هذه الألوان هي، إذن، انبثاقات من النور الأبيض. ويمكننا مقارنة الوعي النقي الروحي بالنور الأبيض، والجسم العقلي الأدنى بالموشور والألوان المختلفة الناتجة عنه. فعالم الأفكار هو عالم التفرعات، وعالم الوعي النقي هو عالم الوحدة. فإذا كان بالإمكان للوعي أن يصير عقلاً فإننا نستطيع تخيل حركة معكوسة ارتدادية، تعيد للعقل قدرته على أن يصبح وعيًا نقيًا غير متعيِن، أي غير مجزأ. بمعنى آخر، فإن التنوع والاختلاف ليس إلا الوحدة المُعايَنة من الجانب الآخر للموشور. كذلك نستطيع القول إن الزمن هو الأبدية منظورًا إليها من الجانب الآخر للموشور. من الممكن التحرر من التنوع، من الزمن، من النسبي، على الرغم من أننا نعيش في هذا العالم، أي الآن وفي اللحظة الآنية.

فرؤية الموضوع من وجهة نظر العقل الأدنى تعني أننا أرجأنا التحرر والانعتاق إلى الغد؛ والغد هو دائمًا اليوم التالي. أما لدى رؤية الموضوع من وجهة نظر الوعي النقي فإن الانعتاق يتم الآن والتحقيق يكون في هذه اللحظة. إنه توحيد ما كان مجزَّءًا. لكن رب قائل يقول إننا لا نستطيع المسير نحو الوعي الروحي لأننا دائمًا نقف على الجانب الآخر من الموشور. هذا صحيح؛ وفي كثير من الأحيان نكون “مقيدين” بالجانب الآخر. ومع ذلك فبإمكاننا “التحرر” إذا بدأنا نتبنى نظرة جديدة إلى التنوع والاختلاف، وبدأنا في تعليم العقل الأدنى بأن ينظر نظرة محايدة لمختلف أوْجُه التنوعات.

ولكن هناك صعوبة في النظر بحياد؛ وتعود هذه الصعوبة إلى ماضينا. فالذاكرة اللاواعية مليئة بالأحكام والرفض والتأسف والكبت التي نحملها في داخلنا والتي تمنعنا من الحياة في… الحاضر. وكم من أناس يجدون صعوبة في نسيان ذكريات الطفولة التعسة. ولكن لنحاول أن نرى ماضينا دون صبغه بكلمة “سعيد” أو “تعيس”؛ وهذا سيساعدنا على التحرر من الكثير من ردود الفعل العقلية التي يتراءى لنا أنها غير مسيطر عليها (ونحن نقول إنها “غريزية”)، ولكنها ليست سوى تجمعات من الأحكام في ذاكرتنا اللاواعية. وما دمنا نبحث عن الوحدة الكلِّية خارج التنوعات الظاهرية فإن من العبث أن ننجح في طريقنا الروحي، لأن التنوعات هي التعبير عن الوحدة في العوالم الدنيا، وهي إفصاح عن تناغم الحياة في تناقضاتها. والعقل الأدنى هو الأداة التي تسمح لهذا التعبير عن الوحدة بالتجلِّي في الشخصية. فإذا بقي الكائن الإنساني يتماهى مع جسمه العقلي الأدنى، متناسيًا علاقته وارتباطه مع الذات العليا، فإنه لن يرى سوى التناقضات والتعارضات والتنوعات في العالم؛ وهذا بالتالي، سيؤدي إلى الانفصالية بين هذا الإنسان والكون المحيط به. ولكن بامتلاكه للوعي، يتمكن الإنسان من السيطرة على العقل الأدنى بواسطة الذات العليا التي هي حقًا السيد الآمر على العقل الأدنى المضطرب.

ويجب أن ندرك ونعي أن دفق الطاقات الروحية محدود ومقيد بجبال هائلة من مشاعرنا وأحاسيسنا ورغباتنا وأفكارنا الجامحة. وعندما نعي ذلك بوضوح فإننا ندرك حتمًا أن هدفنا وعملنا الأول هو إزالة هذا الركام للوصول إلى الحقيقة الروحية. ولكن ماذا نفعل في الواقع؟ إننا نزيد الأمر سوءًا بإخفاء هذا الركام الداخلي وكبته وتجاهله، مما يزيد في الحيلولة دون النور الإلهي وإنارة دخيلتنا.

إن هدفنا ليس حيازة المعرفة بحدِّ ذاتها، وكأنها الهدف الأول والأخير المنشود؛ ولكن بدونها لا يوجد أمل لنا بالخلاص من سيطرة الذات الدنيا. وقد يعتقد بعضهم أن ذلك غير متاح إلا لقلة من الروحانيين؛ وهذا غير صحيح. إن بإمكاننا من خلال أجسامنا، رغم كل مشاكلنا الحياتية، السيطرة على الذات – ولكن شريطة أن تكون لدينا رغبة صادقة وشجاعة لا تلين في السير على الطريق الروحي، مهما اعترضنا من عوائق وأشواك ناتجة عن ماضينا.

يااااااااااااااه

يااااااااااااااه
سبحان الله العظيم .سبحان الله وبحمده

موقع اخبارك ....

الشرفة..

الشرفة..
جنوب افريقية ثمار الطماطم داخل احد البيوت المحمية فى مدينة ديربان شمال مطار الملك شاكا الدولى بجنوب افريقيا

القاهرة

القاهرة
الزميل الحبيب احمد ابوالمعاطى ومحمد حشيش فى نقابة الصحفين المصرين

صباح الخير

صباح الخير
الهند وقطار يمتطيه الجميع ويبدو الناس فوقه وعلى جوانبه يدور كأنه ثعبان